نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥١ - الشرح والتفسير الباعث لكتابة هذه الوصية
وحينئذٍ ستزول الفرصة للموعظة وتقديم النصح.
وعلى أساس هذه الجهات بادرت لكتابة هذه الوصيّة لأصل إلى الغاية المطلوبة قبل فوات الأوان.
والعجيب أنّ ابن أبيالحديد في شرح عبارات هذه الوصية، وعندما يبلغ حديث الإمام عليه السلام عن نفسه يقول: «إنّ هذه العبارات تشير إلى خلاف ما يعتقده الشيعة الذين يقولون أنّ الإمام معصوم في مثل هذه الأمور ولا يواجه نقصاً في فكره ولا قصوراً في رأيه» [١].
في حين أنّ جميع القرائن، كما أسلفنا ذلك، تشير إلى أنّ الإمام عليه السلام عندما يتحدّث بمثل هذا الكلام فإنّه لا ينطلق من موقع الإمامة والعصمة، بل من موقع الأب المسنّ والخبير والمجرّب الذي يتقدّم بالنصح لولده الشابّ الذي لم يجرّب الأمور بعد.
ولو أنّ ابن أبيالحديد التفت إلى كلام آخر للإمام عليّ عليه السلام في نهجالبلاغة أيضاً حيث يقول: «فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَاتَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَة» [٢]، فسوف يتبيّن له الجواب عن هذا التوّهم.
وأيضاً يقول الإمام عليه السلام في كلام آخر في الخطبة ١٨٩: «أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِالْأَرْضِ»، أجل، لو أنّ ابن أبيالحديد أخذ بنظر الحسبان هذا الكلام لأميرالمؤمنين عليه السلام لما تحدّث بمثل ذلك الكلام.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يبيّن الدليل والعلّة لطرح هذه الوصايا لولده الشابّ، ويقول:
«وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ».
وهذا الأمر قد ثبت بالتجربة مرّات عديدة، بل هناك رواية صارت كالمثل تقول:
«الْعِلْمُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ» [٣] أي الخطّ والرسم الثابت والعميق الذي لا
[١]. شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد، ج ١٦، ص ٦٦.
[٢]. نهجالبلاغة، الخطبة ٩٣.
[٣]. شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد، ج ١٦، ص ٦٧.