نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٨ - الشرح والتفسير الاستقامة سبب تحقيق النصر والنجاح
من المنكر، وذلك عندما يجد المؤمن نفسه في مناخ غير مناسب ويعيش القهر والظلم من قِبل الظالمين وقوى الشرّ، فيجد يديه مقيّدة وفمه مكتوم.
المرحلة الثانية: الإنكار باللسان.
والمرحلة الثالثة: التصدّي العمليّ لمواجهة المنكرات والعمل على تطهير الإنسان والمجتمع منها، والكثير من الفقهاء يرون أنّ هذه المرحلة من وظائف الحكومة الإسلاميّة والحاكمالشرعيّ، بينما المرحلةالاولى والثانية تقع على عهدة عامّة المكلّفين.
وجملة: «وَبَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ» ممكن أن تكون إشارة إلى المورد لا يؤثّر فيه النهي عن المنكر، ففي مثل هذا المورد يجب على الإنسان أن يترك مجالس المنكر ويبتعد عن المرتكبين للمعاصي والمنكرات.
ويحتمل أيضاً أنّ المراد النهي القلبيّ الذي يترك آثاره على ملامح الوجه، وهو أحد المراحل الثلاث للنهي عنالمنكر، وقد ورد في حديث عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَلْقَى أَهْلَ الْمَعَاصِي بِوُجُوهٍ مُكْفَهِرَّةٍ» [١]، ليعلموا من ملامح الغضب المرتسمة على وجوهنا أنّنا ننكر أعمالهم ولا نوافقهم في سلوكياتهم.
ثمّ يستمرّ الإمام عليه السلام في بيان هذه التوصيات والمواعظ ويقول: «وَجَاهِدْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَلَا تَأْخُذْكَ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ. وَخُضِ [٢] الْغَمَرَاتِ [٣] لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ».
ونعلم أنّ للجهاد مراحل ومراتب متعدّدة، سواءً كان المقصود الجهاد المسلّح ضدّ الأعداء، أو بمعنى السعي وبذل الجهد في مسير الحقّ والعدالة، وبعض هذه المراحل لا تليق بالمجاهدين الحقيقيين، اللائق هم أن يحقّقوا في واقعهم وذواتهم آخر
[١]. الكافي، ج ٥، ص ٥٨، ح ١٠.
[٢]. «خض» صيغة أمر من «الخوض» على وزن «حوض» في الأصل بمعنى الدخول التدريجي في الماء، ثم استخدم كناية عن الورود أو الشروع في كل عمل.
[٣]. «غمرات» جمع «غمرة» على وزن «ضربة» وأصلها من «غمر» وتعني زوال أثر الشيء، ثم استخدمت في الماء الكثير الذي يغطي جميع جهات الشيء، يقال: «غمرة» و «غامر» ثم اطلقت على كل ابتلاء شديد وجهل يغمر الإنسان ويحيط به من كل جانب و «غمرات الموت» بمعنى الشدائد التي يواجهها المحتضر في حالات الموت.