نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٢ - ٢ الوعّاظ الكثيرون
الروايات الشريفة تذكر وعّاظاً آخرين إلى جانب ذلك، ومنهم الحوادث المُرّة والمصائب الأليمة التي تصيب الإنسان في الدنيا، وهو ما يشير إليه الإمام عليه السلام في قوله: «أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ».
والواعظ الآخر للإنسان يتمثّل في تاريخ القدماء وسيرة الأقوام الماضية وأطلال القصور والقبور المندرسة والديار المتروكة، والتي تتحدّث مع الإنسان بألف لسان وهي صامتة، والإمام عليه السلام بهذه العبارات يشير إلى هذا الواعظ أيضاً.
الواعظ الآخر الذي يتحدّث عنه الإمام عليه السلام في نهجالبلاغة في (الخطبة ١٨٨) أجساد الموتى ويقول: «فَكَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبين» [١].
وقد نستوحي من كلمات أميرالمؤمنين عليه السلام وعّاظاً آخرين يعبّر عنهم بالواعظ الباطني، يعني الوجدان اليقظ والضمير الحيّ في واقع الإنسان وقلبه، يقول: «وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ» [٢]، وهذا الواعظ النفساني هو ما ورد في القرآن الكريم في سورة الشمس، قال تعالى: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها» [٣].
الواعظ الآخر هو ما بيّنه الإمام موسى الكاظم عليه السلام لهارون الرشيد عندما طلب هذا الأخير من الإمام عليه السلام موعظة، فقال له الإمام عليه السلام كلاماً وجيزاً وعميق الغور: «ما مِنْ شَيْءٍ تَراهُ عَيْنَيْكِ إلّاوَفيهِ مَوْعِظَةٌ» [٤].
يعني أنّ النجوم المتلألئة في السماء، والشمس والمضيئة، والقمر المنير، والظهر المحدودب للمسنين، الشعر الأبيض للشيوخ، أوراق الشجر اليابسة في فصل الخريف، والقبور المندرسة للموتى، والقصور المتهاوية للملوك، كلّها تتضمّن دروساً
[١]. نهجالبلاغة، الخطبة ١٨٨.
[٢]. نهجالبلاغة، الكلمات القصار ٨٩.
[٣]. سورة الشمس، الآيتان ٧ و ٨.
[٤]. بحار الأنوار، ج ٦٨، ص ٣٢٤.