نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٨ - الشرح والتفسير علّة كتابة هذه الوصية
الْآخِرَةِ إِلَيَّ، مَا يَزَعُنِي [١] عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ، وَالاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي [٢]».
وفي هذا السياق يستنتج الإمام عليه السلام هذه النتيجة، أنّ هذا الاهتمام دعاني للتفكير في نفسي والانصراف عن سلوك طريق الأهواء النفسية وبيّن لي حقيقة مصيري وأوصلني هذا الأمر إلى مرحلة لا يشوبها اللعب والهزل، بل كلّها صدق وحقّ: «غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي، فَصَدَفَنِي [٣] رَأْيِي وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ، وَصَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي، فَأَفْضَى [٤] بِي إِلَى جِدٍّ لَايَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ، وَصِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ».
وهذا إشارة إلى أنّ الإعراض عن الدنيا يوجب للإنسان اليقظة ويبعث فيه الانتباه لأنّه يرى نفسه في مرحلة الانتقال من هذه الدنيا، وهذا الأمر يقوده لاجتناب السقوط في فخ الأهواء النفسانية، وأن يفكّر بشكل جادّ بمصيره وعاقبته، ويجتنب أشكال اللهو واللعب ويحمل نفسه على الصدق وطلب الحقيقة بعيداً عن كلّ أشكال التعصّب والتساهل، ويهتمّ بمستقبله وحياته بعد الموت فيما يجمع له من زادٍ لسفر الآخرة.
وبهذه المقدّمة يهدف الإمام عليه السلام ظاهراً لتحقيق أمرين: الأوّل: أن يؤمن مخاطبه بشكل تامّ أنّ ما قاله آنفاً ليس بالهزل، بل هو جادّ تماماً في هذا الكلام، ويمثّل نتيجة مطالعات عميقة وتأمّلات في وضعه الحالي والمستقبلي، والآخر أنّه يحذّر ولده من أنّه سيواجه مثل هذه الأمور في المستقبل، ولا يبقى في مرحلة الشباب
[١]. «يَزَع» من مادة «وزع» على وزن «وضع» بمعنى المنع والاعاقة عن شيء.
[٢]. «ما وَرائي» إشارة إلى أهل الدنيا، المقامات، الثروات وأمثال ذلك، وغرض الإمام عليه السلام من ذلك بيان هذه الحقيقة وهي أنّ الالتفات إلى قرب الانتقال من هذه الدنيا منعني من الميل للأمور الدنيوية وجعلني ملتفتاً لمصيري ومستقبلي، والعجيب أنّ بعض شرّاح نهجالبلاغة ذكروا في معنى «ما وَرائى» أنّها تعني الآخرة، في حين أنّ مفهوم هذه العبارة يكون بهذه الصورة: إنّ الإلتفات إلى نهاية عمري شغلني عن الاهتمام بأمر الآخرة، وهذا التفسير مجانب للصواب.
[٣]. «صدف» من مادة «صدف» على وزن «حذف» بمعنى الإعراض عن شيء.
[٤]. «أَفْضى» من «الإفضاء» و «فضاء» وتعني الوصول إلى شيء وكأنّه دخل إلى فضائه وجوّه.