نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٥ - الشرح والتفسير هذه الوصيّة ممّن وإلى من؟
على شخص لم يقع طيلة عمره أسيراً لمثل هذه الهموم والغموم؟
ومن المناسب هنا الإشارة إلى قصّة الإسكندر المعروفة، فعندما حان أجله وكانت امّه لا زالت على قيد الحياة، ويعلم أنّها سوف تحزن عليه بشدّة، فكّر بأمر لتخفيف حزنها وألمها، فقال لها: يا امّاه إبكي عليَّ وأقيمي المأتم ولكن لاتبكي لوحدك، بل ادعي معكِ جماعة يشاركونك في هذا الأمر وليبكوا عليَّ لا على مصائبهمومشاكلهم.
فعملت هذه الام بوصيته بعد موته وتوجّهت للجيران والأقرباء والأصدقاء وكلّما سألت أحداً منهم: هل أنّك خالٍ من الغمّ والحزن؟ فإنّه يذكر لها بعض همومه وأحزانه، فيقول أحدهم: ماتت زوجتي، والآخر يقول: مات ولدي، والثالث يقول:
إنّي خسرت في تجارتي، الرابع يقول: إنني أعيش الأسقام والآلام، ففهمت الامّ أنّه لا يوجد شخص لا يعيش الحزن ولا تواجه الهموم، وحسب المثل المعروف: «الْبَلِيَّةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ» فخفّت عليها حينئذٍ مصيبة فقد ولدها.
وعبارة: «نُصُبِ الْآفَاتِ وَصَرِيعِ الشَّهَوَاتِ» مع الأخذ بالحسبان أنّ كلمة «نُصُب» تعني الأغراض التي ينصبها الرماة لتسديد الرمية باتجاها، وكلمة «صَريع» تعني الشخص المغلوب على أمره والذي سقط على الأرض، فالعبارة تشير إلى الآفات والبلايا المختلفة التي تصيب الإنسان من كلّ جهة وتجعله هدفاً لها، والشهوات التي تصرعه في حياته ولا يستطيع التصدّي لها ومقاومتها.
وجملة: «خَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ» إشارة إلى أنّك أيّها الإنسان لا تغفل عن أنّك خليفة الأموات وسوف تلتحق بهم في المستقبل القريب وسيحلّ آخرون محلّك، وهكذا تستمرّ هذه المعادلة في حياة البشرية.
واللافت أنّ الإمام عليه السلام قد وصف نفسه بستّ صفات، ولكنّه وصف ولده بأربعة عشر صفة ممّا يواجهه كلّ إنسان في حياته الدنيا من مشاكل وصعوبات، يعني في مقابل كلّ صفة وصف فيها نفسه، فقد وصف ولده بصفتين، وفي مقابل كلّ مشكلة واجهها في حياته، فإنّ مخاطبه سيواجه مشكلتين.