نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١ - ١ الباعث لكتابة السند
وعلى هذه الأساس يبيّن الإمام عليّ عليه السلام بأجمل صورة وأبلغ بيان، الأركان السّتة لهذه السند المعنويّ.
تأمّلان
١. الباعث لكتابة السند
هذا السند العجيب الذين كتبه الإمام عليّ عليه السلام لأحد قضاته يستحقّ الدراسة والتمعّن من عدّة جهات:
الأولى: إنّ ثمانين ديناراً لهذه الدار لم يكن بالثمن الباهض للدار، ولكن بما أنّ المشتري لهذه الدار أحد القضاة، ومعلوم أنّ القاضي يقع دائماً في دائرة الاتّهام والوساوس النفسانية، فمن هذه الجهة لم يرتضِ الإمام عليه السلام لشريح دفع هذا الثمن من المال للدار.
أضف إلى ذلك فنحن نعلم أنّ عصر حكومة وخلافة الإمام عليه السلام جاءت بعد سنوات مريرة وخطيرة من خلافة عثمان التي اقترنت بمظاهر الإسراف والتبذير بشكل واسع لبيت المال، وتوجّه بعض رموز المجتمع الإسلاميّ للحياة المرفّهة، والتوغّل في التجمّل والثراء، ومن أجل أن يتصدّى الإمام لهذه الظاهرة الخطيرة ويوقف هذا التيار عند حدّه، كان يكثر في خطبه وكتبه الواردة في «نهجالبلاغة» من التحذير من زخارف الدنيا وبريقها الخادع واتّخذ لنفسه أيضاً حياة الزهد والتقشّف، وفي حين أنّه يقف على رأس الحكومة الإسلاميّة لم يكن مستعدّاً أبداً أن يعطي لأخيه عقيل شيئاً- ولو قليلًا- من بيت المال، وعندما أُخبر بأنّ واليه على البصرة (عثمان بن حنيف) استجاب لدعوة أحد أثرياء تلك المدينة وجلس على مائدة يستطاب فيها أنواع الأطعمة وقد دعي معه طبقة من الأشراف والأغنياء ولم يدعَ إليها الفقراء، اغتمّ لذلك بشدّة وكتب إليه رسالة شديدة اللهجة يوبّخه فيها على عمله واستجابته لدعوة الأغنياء.