نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٩ - الشرح والتفسير الإمام عليه السلام يحذِّر «زياد» مرّة أخرى
خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ» [١].
ومورد آخر يقول تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» [٢].
ومعلوم أنّ الإنسان إذا اعتقد بوجود حياة اخرى بعد هذه الحياة وأنّ احتياجه إلى الأموال والثروات في ذلك الوقت أشدّ بكثير من حاجته في الدنيا، من الواضح أنّه سيترك حالات الإسراف والتبذير والتجمّل، وينعطف على أعمال الخير ولا ينفق من هذه الأموال أكثر من الحدّ اللازم في هذه الدنيا ويقوم بإرسالها أمامه إلى ذلك اليوم.
ثمّ يوصي الإمام عليه السلام بالأمر الثالث والرابع ويقول: «وَأَمْسِكْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ وَقَدِّمِ الْفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ».
والواقع أنّ ما أشار إليه الإمام عليه السلام في جملة: «وَاذْكُرْ فِي الْيَوْمِ غَداً» بشكل إجماليّ، قد فصّله في الجمتلين الأخيرتين، وفسّر جملة ذكر الغد في هذه العبارة بإمساك المال إلّابمقدار الضرورة والحاجة ولزوم إرسال الفضل إلى آخرتك، وهو اليوم الذي تحتاج فيه إلى هذا المال بشدّة، وخاصّة أنّ الثروة ستتعرّض للفناء في حياته، وإن لم يصبها شيء من النقصان والفناء، فإنّ الإنسان سيتركها عند الموت ولا يمكنه أن ينتفع بها بأدنى شيء ولا يستطيع أن يحملها معه إلى القبر، وحتّى أنّ بعض الأقوام الماضية الذين كانوا يدّخرون الكثير من الأموال النفيسة للسلاطين والملوك ويدفنونها معهم، فإنّهم في الواقع يدّخرون كنوزاً من هذه الثروات للأجيال اللاحقة دون أن تعود بالنفع على أصحابها الموتى.
ومثل هذا المضمون ورد بتعبيرات شيّقة وعميقة المعنى في وصيّة الإمام عليّ عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام (الكتاب ٣١ من نهجالبلاغة) حيث يقول: «فَلَا تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ
[١]. سورة البقرة، الآية ١١٠.
[٢]. سورة الحشر، الآية ١٨.