نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٢ - الشرح والتفسير فصل آخر من القيم الأخلاقية في الحرب
فلا يبعد أن يكون هذا الكلام صحيحاً.
وعلى أيّة حال فالإمام عليه السلام في هذه الرسالة يؤكّد على خمسة أمور:
الأوّل: يقول عليه السلام: «لَا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِاللَّهِ عَلَى حُجَّةٍ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ»، فأنتم من أتباع إمام يتفق على مشروعيته وحقانيته الباري تعالى وجميع المؤمنين، فلا يكون بدؤكم بالقتال حجّة لهم ضدّكم، وترككم لهم حتى يكون البادىء هو العدو يمّثل حجّة أخرى تدعم موقفكم ومشروعيتكم وحقانيتكم.
وهذه التوصية قد تقدّم بها النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله أيضاً لجيش الإسلام وكانت نتيجة ذلك كما بيّنه الإمام عليه السلام في هذا الكلام أنّ جيش الإسلام يمتلك حجتّين وبرهانين ضدّ العدو، الأوّل أنّه تابع للنبيّ الأكرم أو الإمام الذي يتمتّع بمشروعية وحقانية تقوم على أساس الموازين الصحيحة والمنطقية، والآخر أنّ العدو عندما يبتدىء الحرب والقتال يقدّم عمليّاً دليلًا آخر ضدّه، لأنّه يكون سبباً في قتل الأبرياء والسعي في إشعال نار الفتنة وإيجاد الفساد في الأرض وبالتالي يكون مصداقاً لمن حارب اللَّه ورسوله، لأنّ كلّ شخص جرّد السلاح على الأبرياء من الناس وسفك الدماء، فهو محارب، وحينئذٍ سيكون مشمولًا للآية الشريفة: «إِنَّما جَزآءُ الَّذينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَساداً ...» [١].
ومضافاً إلى ذلك يكون مصداقاً للآية الشريفة: «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» [٢].
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يتحدّث عن ثلاث توصيات مهمّة في هذه المجال ويقول:
«فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ فَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلَا تُصِيبُوا مُعْوِراً [٣]، وَلَا
[١]. سورة المائدة، الآية ٣٣.
[٢]. سورة البقرة، الآية ١٩٤.
[٣]. «معور» في الأصل من مادة «عار» و «عور» على وزن «غور» بمعنى العيب والنقص، ثم اطلقت على المناطقالضعيفة والنقاط القابلة للنقص، والمعور: الشخص الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه ويتعرّض للضرر فى مقابل هجوم مخالفه، وسميت الآلة التناسلية بالعورة لأنّ اظهارها يورث العيب والعار لصاحبها.