نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٧ - الشرح والتفسير أنا أتحرّك دوماً في خطّ الحقّ والهداية
وبالرغم من أنّ معاوية استخدم في رسالته كلمات نابية وشديدة إلّاأنّها كانت خاوية وفاقدة للمحتوى، بينما استخدم الإمام عليّ عليه السلام عبارات أكثر انسجاماً وقوّةً، وعميقة المعاني، وبينما كان معاوية يدعو إلى الحرب بين طائفتين، كان الإمام عليّ عليه السلام يدعوه إلى القتال منفردين، أي يطلب المبارزة بينه وبين معاوية وجهاً لوجه.
ورأينا أنّ معاوية يتحدّث في رسالته عن مدّعيات خاوية دون إسنادها بالمدارك التاريخية، بينما نرى أنّ الإمام عليّ عليه السلام أخذ بيد معاوية إلى الماضي من صدر الإسلام وبيّن له سوابقه التاريخية في معركة بدر وأنّه هو عليّ بن أبي طالب الذي قتل جدّه وأخاه وخاله وأئمّة الكفر والشرك من قبيلته، وأنّ سيفه هو ذلك السيف الذي مرّغ به انوف عتاة المشركين والمردة من قوى الكفر، وأنّ قلبه هو ذلك القلب الشجاع الذي كان يقاتل به المشركين في معارك صدر الإسلام.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يشير إلى نقطة أخرى وهي ثباته واستقامته في خطّ الإسلام والإيمان ويقول: لم أبتدع في الدين شيئاً ولا اخترت نبيّاً غير نبيّ الإسلام صلى الله عليه و آله فأنا أتحرّك في الطريق القويم والصراط المستقيم: «مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيناً، وَلَا اسْتَحْدَثْتُ نَبِيّاً.
وَإِنِّي لَعَلَى الْمِنْهَاجِ الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ، وَدَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ».
وهذه إشارة إلى أنّ أباسفيان وأذنابه وأعوانه دخلوا الإسلام مكرهين يوم فتح مكّة والشواهد التاريخية الإسلاميّة تشير إلى أنّهم لم يعتنقوا الإسلام أبداً، ولم يؤمنوا طواعية، ولذلك بعد استلام بني امية أزمّة الحكم ومقاليد السلطة في زمان الخليفة الثالث، سحق الكثير منهم أصول الإسلام وسنّة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله تحت أقدامهم ونهبوا بيت مال المسلمين واستأثروا بفيئهم وحرموا بذلك الطبقة المستضعفة والمحرومة ممّا يستحقونه من هذه الأموال.
وقد تبيّن ممّا ذكر آنفاً أنّ مراد الإمام عليه السلام من قوله: «الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ»، يتعلّق بموقفهم بعد قبولهم الإسلام ظاهراً، أي أنّهم في البداية قبلوا بالإسلام مكرهين، ثمّ عندما استلموا مقاليد السلطة نقضوا سنن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله واحدة بعد