نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٤ - الشرح والتفسير حماة الإسلام الأوائل
وبعد أن بيّن الإمام عليه السلام بأدلّة وشواهد قويّة دفاعه- هو وأهل بيته- المستميت عن الإسلام والنبيّ وأفضليّتهم على الآخرين، شرع بإظهار التعجّب ممّا أوقعه فيه الدهر، بمعنى أهل الدهر والناس الذين لم يدركوا هذه الحقائق وأنّه هو وأهل بيته مع كلّ هذه الفضائل قد جعلوه في عرض من ليست له مثل تلك الامتيازات والسوابق في تاريخ الإسلام، ولم يكن يملك أدنى امتياز في الشخصية والإيمان والجهاد: فَيَا عَجَباً لِلدَّهْرِ! إِذْ صِرْتُ يُقْرَنُ بِي مَنْ لَمْ يَسْعَ بِقَدَمِي، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَسَابِقَتِي الَّتِي لَايُدْلِي [١] أَحَدٌ بِمِثْلِهَا».
وقد تصوّر البعض من هذه العبارة أنّها إشارة إلى أنّ الناس كانوا يقارنون بين الإمام عليّ عليه السلام ومعاوية في حين أنّ مقصود الإمام عليه السلام يختلف عن هذا المعنى، فمراده في الحقيقة ناظر إلى رسالة معاوية وما ذكره من أنّ الخلفاء الثلاثة السابقين كانت لهم من الفضائل والسوابق في الإسلام حيث أخذ معاوية يتبجّح ويتفاخر بفضائل هؤلاء الخلفاء في مقابل الإمام عليه السلام، والّا فإنّ معاوية لم يشر في رسالته إلى سوابقه الإسلام، لأنّه أساساً لم يكن يملك أيّة سابقة حسنة في تاريخ الإسلام وإن كانت له سابقة فهي سابقة سوء في العداء للإسلام والمسلمين هو وقبيلته وآل بيت أبي سفيان.
وعلى أيّة حال فإنّ الإمام عليه السلام أبدى تعجّبه من أهل زمانه ومنهم معاوية كيف أنّهم يقرنونه مع الخلفاء السابقين عليه، وهذا الكلام في الحقيقة يتناغم مع ما ورد في الخطبة الشقشقية حيث يقول: «مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِر». أي أعضاء شورى عمر بن الخطاب الذين جعلهم عمر بعده لاختيار الخليفة وجعل معهم الإمام عليّ عليه السلام كواحد من الشورى.
ولعلّ الأشخاص، الذين تصوّروا أنّ كلام أميرالمؤمنين عليه السلام هنا ناظر إلى مقارنته
[١]. «لا يدلي» من «الإدلاء» وتعني الاظهار والاعلان، ويقال: «أدلى برأيه» يعنى أظهر رأيه، وهي في الأصل من مادة «دلو»، وعندما تأتي من باب الإفعال تكون بمعنى ارسال الدلو إلى البئر لسحب الماء، ثم اطلقت على أي اظهار للرأي.