نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٥ - الشرح والتفسير حماة الإسلام الأوائل
مع معاوية، كانوا تحت تأثير عبارة أخرى من كلام الإمام عليه السلام وردت في مورد آخر، ولكن إذا تمعّنوا في هذه النقطة اللطيفة، وهي أنّ رسالة الإمام عليه السلام في الواقع جواب على رسالة معاوية له، وفي تلك الرسالة تحدّث معاوية عن أفضليّة الخلفاء السابقين على الإمام عليه السلام، لزال هذا التوهّم، ومن هذا المنطلق يتبيّن أنّ مقصود الإمام عليه السلام هو ما ذكرناه آنفاً.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يستمرّ في كلامه بالكناية البليغة أيضاً ويقول: «إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ مَا لَاأَعْرِفُهُ، وَلَا أَظُنُّ اللَّهَ يَعْرِفُهُ»، أي أن يدّعي أحد بعض الفضائل لهؤلاء لا توجد لديهم في الواقع ولست مطّلعاً عليها ولا أتصوّر أنّ اللَّه تعالى أيضاً مطّلع عليها لأنّها أساساً غير موجودة لديهم.
وهذا يشبه ما ورد في الآية الشريفة ١٨ من سورة يونس حيث يقول تعالى: «قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَايَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ»، أي أنّ المشركين الذين يعبدون غير اللَّه تعالى، ما لا يضرّهم ولاينفعهم يقولون:
هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه، فيردّ عليهم القرآن الكريم بأنّ اللَّه تعالى لا يعلم أنّ له مثل هؤلاء الشفعاء، لا في السموات ولا في الأرض.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام في خاتمة الرسالة وبعد أن بيّن سوابق أهل البيت ومخالفيهم، يشكر اللَّه تعالى ويقول: «وَالْحَمْدُ للَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ».
وجملة: «فَيَا عَجَباً لِلدَّهْرِ» لا تعني أنّ الإمام عليه السلام يعلم بمصائر الناس وبأنّ الدهر يملك تأثيراً في الحوادث الواقعة كما يعتقد الدهريون، بل مراده من الدهر هنا هو أهل الدهر الذين لم يعرفوا ولم يقدّروا مقام الإمام عليه السلام وما يقتضيه ويفرضه عليهم، حيث جعلوه قريناً لأشخاص لم يقدّموا أيّ شيء في سبيل الإسلام ولم يكن لديهم أيّ امتياز في تاريخهم، وعلى هذا الأساس كان عتب الإمام عليه السلام ناظر إلى أهل الزمان والدهر وإن كان الكلام متوجّهاً ظاهراً إلى الدهر نفسه.
وبعبارة أخرى أنّ حسن الدهر وقبحه يتمّ تشخيصه من خلال حسن الناس