الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٨ - باب سيرة الإمام في نفسه و في المطعم و الملبس إذا ولي الأمر
الحديث: «قصم ظهري رجلان: عالم متهتّك، وجاهل متنسّك» [١].
واللام في «لابتذال» موطّئة للقسم.
وفي القاموس: «الابتذال: ضدّ الصيانة» [٢].
ولعلّ المعنى أنّ جعل نعم اللَّه مبتذلةً بالفعال- بأن يصرف في مصارفها الممدوحة في الشرع، ولا يهتمّ بجمعها وادّخارها وحفظها وحراستها زائداً على ما في سنن العقل والشرع، ولو ضاع مال من حدثان الدهر لم يضطرب كلّ الاضطراب، كما هو شأن الحريص على الدنيا والبخيل بها- أحبّ إلى اللَّه تعالى من جعلها مبتذلةً بالمقال بأن يذمّها ويصفها بالسوء، كما هو شأن المتصوّفة الجهلة.
والغرض من إيراد الآية الكريمة أنّ اللَّه تعالى أمر بتحديث نعمه، وظاهر أنّ المراد ذكرها على وجه الاستعظام لا الاستحقار، فابتذاله بالمقال خلاف مقتضى الآية، وعدم قبول الأنبياء والأوصياء : لأصلها لئلّا ينكسر قلوب الفقراء، ولأنّ لهم مع اللَّه تعالى شؤوناً وأحوالًا وأزماناً وأوقاتاً أجلّ وأرفع من أن يتوجّهوا فيها إلى مرمّة الدنيا، فلو قبلوها بدون أن يرمّوها لكان في ذلك التضييعُ، فلم ينالوا منها إلّابقدر ما ألزمه العقل والشرع، وكان سيّدنا ٦ كثيراً ما يدعو ويقول: «اللّهمَّ ارزق محمّداً وآل محمّد الكفاف والعفاف» [٣]. وكان إذا رزق مالًا زائداً على الكفاف صرفه، ولم يحبسه أكثر من زمان لقاء المستحقّ وإن كان الشرع أباح التوسّع في الحلال، ولكن حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، وكلامنا في أصحاب اليمين دون السابقين.
وقد ذكرت فصلًا من أحوال المال في المثنويّ المسمّى ب «نان وپنير» محتذياً بمثنويّ الشيخ الأجلّ بهاء الملّة والدين الذي سمّاه ب «نان وحلوا» حيث بيّنت أنّ سلوك
[١]. غرر الحكم، ص ٤٨، ح ٢٤٥؛ معدن الجواهر للكراجكى، ص ٢٦؛ منية المريد، ص ١٨١؛ بحارالأنوار، ج ٢، ص ١١١، ح ٢٥.
[٢]. القاموس المحيط، ج ٣، ص ٣٣٤ (بذل).
[٣]. الكافي، ج ٢، ص ١٤٠، باب الكفاف، ح ٤. و عنه في بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٦١، ح ٤.