الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٩٠ - باب الصبر
وقد سمعت مراراً أنّ أكثر ما ذكره مدوّنوا اللغة ما استفادوه من كلام من يوثق بعربيّتهم بحسب اقتضاء المقام وسياقة الكلام، لا ما رووه من العرب العرباء، وهذا الحديث من كلام من خرج من بيته الكلام المعجز النظامِ، والمعنى الذي ذكرناه له ممّا لا يشكّ فيه بعد ملاحظة المقام، فالاقتصار على ما أودعه أهل اللغة المشهورون في كتبهم جمود من الطبيعة.
قوله: (ولا أرضاً قَطَعَ). [ح ٦/ ١٦٨٧]
في الفائق عن النبيّ ٦:
«أنّ هذا الدِّين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغّض إلى نفسك عبادة اللَّه، فإنّ المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى».
يُقال: أوغل القوم وتوغّلوا أو تغلغلوا: إذا أمضوا [١] في سيرهم، بمعنى أمعن فيه وأبلغ فيه الغاية القصوى والطبقة العُليا. ولا يكن ذلك منك على سبيل الخرق والتهافت والتسرّع، ولكن بالرفق والرسل وتألّف النفس شيئاً فشيئاً، ورياضتها فينة بعد فينة حتّى تبلغ المبلغ الذي ترومه، وأنت مستقيم ثابت القدم، ثبْت الجنان، ولا تحمل على نفسك فيكون مَثَلك مثلَ من أغذّ [٢] السير فبقي منبتّاً- أي متقطّعاً [٣] به- لم يقض سفره وأهلك راحلته. [٤]
وفي الصحاح: «الإغذاذ في السير: الإسراع». [٥]
وفي النهاية: «فيه: أنّ هذا الدِّين متين فأوغل فيه برفق. الإيغال: السير الشديد». [٦]
باب الصبر
[١]. في المصدر: «امعنوا».
[٢]. في المصدر: «أوغذ».
[٣]. في المصدر: «منقطعاً».
[٤]. الفائق في غريب الحديث، ج ٣، ص ٣٧٢ (وغل).
[٥]. الصحاح، ج ٢، ص ٥٦٧ (غذذ).
[٦]. النهاية، ج ٥، ص ٢٠٩ (وغل).