الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٦٤ - باب المستضعف
حصل له العلم الضروريّ بأنّ رؤساءهم كانوا أهل النفاق والغدر والخديعة، وأتباعهم كانوا مؤثِرين للجاه والمال على اللَّه تعالى، أكلوا بهم الدنيا، وباعوا الآخرة بالثمن الأوكس الأدنى، ولا شكّ أنّ العلماء من أهل هذا الاطّلاع لا يكونون إلّامؤمنين أو كافرين، وأمّا العوامّ فحيث شغَلهم الأهل والأولاد وتحصيل المعاش عن مطالعة كتب السِّيَر وعن الاعتبار والنظر، أذعنوا للآباء والكبراء والرؤساء والعلماء فيما نقلوا لهم من انحصار المذهب الحقّ فيما هم عليه، وكون ما عداه مبتدعاً مخترعاً، ثمّ التزموا ما سمعوه من التكاليف الإسلاميّة لا على معرفة وبصيرة، بل على ما دار بين علمائهم ولم يهتدوا إلى معرفة اولي الأمر : حقّ معرفتهم من جهة القضاء والقدر فهم من المستضعفين الذين يرجى لهم التوبة من اللَّه تفضّلًا؛ ولكن بشرط أن لا يحملهم خبث الذات وخيانة الامّهات على عداوة أهل بيت الرسول الذين انتشرت مدائحهم في العالم، فلم يبق لأحدٍ عذر في ترك مودّتهم : فضلًا عن عداوتهم.
وربما يُقال: إنّ المراد بمعرفة اختلاف الناس أن يسمع وقوع الاختلاف في الناس.
وهذا مشكل؛ لأنّ المستضعفين وُصفوا في الآية بأنّهم لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلا، والتعليق بالوصف للعلّة، فمناط الاستضعاف هو الوصف، لا السماع؛ فربّ سامع لا يهتدي سبيلًا؛ كما إذا كان ذا بلاهة وضعف في العقل، أو لا يستطيع حيلةً، كما إذا كان في بلدٍ بعيد عن بلاد أهل الحقّ مثل أقصى بلاد الروم والحبشة والهند، وتعسّر عليه معاش يومه لكثرة العيال، فضلًا عن تحصيل مؤونة السفر البعيد.
وكلام أبي جعفر ٧ في خبر زرارة: «فعليك بالبلهاء» [١] وتفسير البلهاء بذوات الخدور العفائف؛ يؤيّد ما قلناه.
وكذلك قوله ٧ فيما يجيء من أمر المرجون لأمر اللَّه، إذ صرّح بأنّهم لم يعرفوا الإيمان بقلوبهم، ومع ذلك كانوا خارجين عن الشرك ويُرْجَون لأمر اللَّه.
[١]. الكافي، ج ٢، ص ٤٠٢، باب الضلال، ح ٢؛ و ج ٥، ص ٣٥٠، باب مناكحة النصّاب والشكّات، ح ١٢؛ وسائلالشيعة، ج ٢٠، ص ٥٥٧، ح ٢٦٣٤٢.