الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٨٢ - باب الورع
«تشوّفت الدنيا لقومٍ حلالًا محضاً، فلم يُريدُوها فدَرَجوا، ثمّ تشوّفت لقوم حلالًا وشبهةً، فقالوا: لا حاجة بنا في الشبهة وتوسّعوا من الحلال، ثمّ تشوّفت حراماً وشبهةً، فقالوا: لا حاجة لنا في الحرام وتوسّعوا في الشبهة، ثمّ تشوّفت لقومٍ حراماً محضاً، فيطلبونه فلا يجدونه، والمؤمن في الدنيا يأكل بمنزلة المضطرّ». [١]
أقول: في القاموس: «الشوق نزاع النفس وحركة الهوى. وتشوّق: أظهره تكلّفاً». [٢]
وهذا المعنى لا يستدعي مفعولًا، ولا يبعد أن يكون تشوّق في الحديث مصحّف تشوّف بالفاء.
في النهاية: «تشوّف، أي تزيّن». [٣] وعلى هذا فحلالًا بعده منصوب بنزع الخافض، أي تزيّن بالحلال.
وفي قصّة بلوهر التي نقلها الصدوق- طاب ثراه- في أواخر كتاب إكمال الدين:
قال ابن الملك: أيّها الحكيم أخبرني ماذا تصيب من الطعام والشراب؟ قال الحكيم:
زعموا أنّ ملكاً من الملوك كان عظيم المُلك، كثير الجنود والأموال، وأنّه بدا له أن يغزو ملكاً آخر فيزداد مُلكاً إلى ملكه، ومالًا إلى ماله، فسار إليه بالجنود والعدد والعُدّة والنساء والأولاد والأثقال، فأقبلوا نحوه، فظهروا عليه، وانهزم عسكره [٤]، فهرب فيمن هرب [٥]، وساق امرأته وأولاده صغاراً، فألجأه الطلب عند المساء إلى أجمة على شاطئ بحر [٦]، فدخلها مع أهله وولده، وسيّب دوابّه مخافة أن تدلّ عليه، فباتوا في الأجمة وهم يسمعون وقع حوافر الخيل من كلّ جانب، فأصبح الرجل لا يطيق براحاً؛ أمّا النهر فلا يستطيع عبوره، وأمّا الفضاء فلا يستطيع الخروج إليه؛ لمكان العدوّ، وهم في مكانٍ ضيّق قد آذاهم البرد، وأحجرهم [٧] الخوف، وطواهم الجوع، وليس لهم طعام ولا معهم زاد، وأولاد صغار جياع يبكون من الضرّ الذي قد أصابهم، فمكث بذلك يومين، ثمّ إنّ أحد بنيه مات، فألقوه في النهر، ومكث بعد ذلك يوماً آخر، فقال الرجل لامرأته: إنّا
[١]. الكافي، ج ٥، ص ١٢٥، ح ٦. وعنه في وسائل الشيعة، ج ١٧، ص ٨٢، ح ٢٢٠٤٤.
[٢]. القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٥٢ (شوق).
[٣]. النهاية، ج ٢، ص ٥٠٩ (شوف).
[٤]. في المصدر: «واستباحوا عسكره».
[٥]. في المصدر:-/ «فيمن حرب».
[٦]. في المصدر: «النهر».
[٧]. في المصدر: «واهجرهم».