الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٨٣ - باب الورع
مشرفون على الهلاك جميعاً، وإن بقي بعضنا وهلك بعضنا كان خيراً من أن نهلك جميعاً، وقد رأيت أن أُعجّل ذبح صبيّ من هؤلاء الصبيان فنجعله قوتاً لنا ولأولادنا إلى أن يأتي اللَّه- عزّوجلّ- بالفرج، وإن أخّرنا ذلك هزل الصبيان حتّى لا يشبع لحومهم، ونضعف حتّى لا نستطيع الحراك وإن وجدنا إلى الخروج [١] سبيلًا، فطاوعته امرأته، فذبحوا بعض أولاده، ووضعوه بينهم ينهشونه، فما ظنّك ياابن الملك بذلك المضطرّ: أكْلَ الكلب المستكثر يأكل، أم أكلَ المضطرّ المستقلّ؟
قال ابن الملك: بل أكلَ المضطرّ المستقلّ، قال: الحكيم: كذلك أكلي وشربي في الدنيا ياابن الملك. انتهى. [٢]
وفي نهج البلاغة في جملة خطبته ٧: «حلالٌ بيّن، وحرامٌ بيّن، وشبهات بين ذلك؛ فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك، والمعاصي حِمَى اللَّه عزّوجلّ، فمن يرتع حولها أوشك أن يدخلها». [٣]
وفيه أيضاً: «إنّ من صَرَّحَتْ له العِبَر عمّا بين يديه من المَثُلات حَجَزَتْه التقوى عن تقحّم الشبهات». [٤]
وفيه أيضاً من باب في وصف غصّة الموت: «وأنّه لبين أهله ينظر ببصره، ويسمع باذنه على صحّةٍ من عقله، وبقاءٍ من لُبّه، يفكِّر فيمَ أفنى عمره، وفيمَ أذهب دهره، ويتذكّر أموالًا جمعها أغمَضَ في مطالبها، وأخذها من مصرّفاتها ومشبّهاتها، [٥] قد لزمته تَبِعاتُ جَمْعها، وأشرف على فراقها، تبقى لمن وراءه يتنعّمون [٦] فيها، ويتمتّعون بها، فيكون المهنا لغيره، والعبء على ظهره». [٧]
وفيه أيضاً فيما كتب إلى عثمان بن حنيف الأنصاري، وكان عامله على البصرة، وقد
[١]. في المصدر: «إلى ذلك».
[٢]. كمال الدين، ج ٢، ص ٥٩٧.
[٣]. الفقيه، ج ٤، ص ٧٥، ح ٥١٤٩. وعنه في وسائل الشيعة، ج ٢٧، ص ١٦١، ح ٣٣٤٩٠؛ و ص ١٧٥، ح ٣٣٥٣١. ولم نعثر عليه في نهج البلاغة.
[٤]. نهج البلاغة، ص ٥٧، الخطبة ١٦. وعنه في وسائل الشيعة، ج ٢٧، ص ١٦١، ح ٣٣٤٨٨. أعلام الدين، ص ١٤٧.
[٥]. في المصدر: «في مصرّحاتها و متشتبهاتها».
[٦]. في المصدر: «ويتمتّعون».
[٧]. نهج البلاغة، ص ١٥٩، الخطبة ١٠٩.