الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٢٢ - باب الذنوب
اقتضى الحكمة الكاملة والرحمة الشاملة إيجاده ليصير مشمولًا للجود على حسب القبول، أعني تطهيره عن الخبث العارض وإن جدّده الخبث الذاتي، ولو لم يوجد أصلًا لكان قد حرمه الجواد نصيبه من خوان جوده وكرمه، فكان المعنى المعلوم للَّه معترضاً عليه تعالى بلسان الحال: لِمَ حرمتني عطاء كنت احتمله لو وصل إليّ، فليتعجّب المتعجّبون كيف دخل التعذيب الداعي في عداد الجود والإحسان والحمدللَّه رب العالمين.
وهاهنا إشكال عويص أيضاً وهو أنّ الخباثة التي تقبل الزوال هي العارضية التي توجبها سيّىء الأعمال، وأين لإبليس إذا أدخل جهنّم الأعمال السيّئة حتّى تعرض له بسببها خباثة تزال فتجدّد عقيبها بسبب عمل آخر.
فاعلم أنّه روى الكليني ; في باب النيّة عن أبي عبداللَّه ٧ أنّه قال: «إنّما خلّد أهل النار في النار لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو خُلّدوا فيها أن يَعْصُوا اللَّه أبداً» الحديث. [١]
وإذا تقدّم هذا فتقول: النيّة قسمان:
قسم بلغ حدّ الإجماع وهو يستتبع حركات الأعصاب والعضلات والرباطات إلى أن ينتهي إلى تحقّق المنوي، إلّا أن تعرض في البين عارض لاضطرّه إلى عدم الفعل، مثل فساد آلة أو حلول أجل أو قسر قاسر أو غير ذلك.
وقسم لم يبلغ ذلك الحدّ، وبقي حالة منتظرة بعدُ وعسى أن يعرض قبل وقت الفعل ما ينفسخ به تلك النيّة.
والأوّل في حكم الفعل؛ لأنّ الذي من جهة الناوي قد تمّ وعدم الفعل المانع خارجي، فيصحّ بطريق مجاز المشارفة أن يقال: قد فعل.
والمجازاة على هذه النيّة أيضاً جائزة، كما على الفعل؛ إذ ليس في العقل انقباض منه، أو عدم المؤاخذة على النيّة مختصّ بالأمّة المرحومة ببركة الرسول ٦، واللَّه تعالى إذ علم من حال إبليس وجنوده أنّ نيّاتهم تلك النيّة عاملهم معاملتها، ولعلّ نيّاتهم تؤثّر فيهم آثار أفعالهم، فتواردت التعذيبات المطهّرة.
[١]. الكافي، ج ٢، ص ٨٥، ح ٥.