الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٢ - باب فيه نُكَتٌ ونُتفٌ من التنزيل في الولاية
عنه أبداً؛ أنّ الذي تنكرونه وتسبّونه لاخفاء أنّه آمن بالنبيّ ٦ في زمان كان في كمال الضعف والخوف، فهل كان ذلك منه طوعاً أو كرهاً. فلم يستطع الشيعي أن يقول كرهاً، واغتمّ لذلك، وكان في زمان الغيبة الصغرى، فكتب على يدي بعض السفراء إلى الصاحب ٧، فخرج الجواب: «لا طوعاً ولا كرهاً، بل طمعاً».
أقول: ليس المراد أنّ الرجل كان الداعي له إلى إظهار الإيمان الطمعَ في العاجل إمّا الجاه أو المال حتّى يجعل الضعف والفقر اللذان كانا به ٦ كاشفين عن الإيمان لم يكن للطمع؛ بل الطمع في الآجل، ومعلوم لذوي التجارب والتتبّع لأوضاع العالم أنّ أرباب الهمم العالية ربما يتحمّلون المشاقّ، ويركبون الأهوال مدّةً مديدة لتحصيل نفع يرجونه إذا كان عظيماً لائقاً لأمثالهم متوقّعَ الحصول لهم، وقد سمعت من أفاضل محبّي الرجل ما كان منشأ لرجائه.
ثمّ أقول: ليس يلزم من قول الإمام ٧: «بل طمعاً» أن يكون الرجل مؤمناً باللسان وكافراً بالقلب، كما هو شأن المنافقين الذين أخبر اللَّه عنهم بقوله: «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» [١] حتّى يقال: إنّ المعاشرة وتتبّع الأحوال أوجب لنا اليقين بأنّه لم يكن كذلك، بل أقول: إنّ رجاء الانتفاع بجاه المرجوّ منه، المظنون بإخبار الأساقفة والكهنة قد يوجب المحبّة والميل القلبي إذا كان الراجي مسخّراً للهوى، مشغوفاً بحبّ الدنيا، فهو كما ورد في الحديث: «عبد لها ولمن في يَدَيه شيء منها» [٢] فلا يمتنع أن يكون الرجل وأخواه آمنوا بالقلب، ولكن لمّا كان أصل منشأ الميل والمحبّة رجاء الجاه والمال، صدق كون الإيمان للطمع، فهم كانوا مؤمنين بالقلب كما دلّت عليه الآية، ولكن إيماناً مستودعاً قابلًا للزوال، فلمّا وقع أمر يوم الغدير، ورأوا عقد الولاية للغير، وكانت الطينة في علم اللَّه خبيثةً، انقطع الرجاء الداعي إلى الإيمان الموجب للمحبّة، فانتفى الإيمان بانتفاء السبب؛ وهو قوله تعالى: «ثُمَّ كَفَرُوا» [٣] عقيب قوله: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا» ووقعت حسكة
[١]. المنافقون (٦٣): ١.
[٢]. نهج البلاغة، ص ١٥٩، الخطبة ١٠٩.
[٣]. النساء (٤): ١٣٧.