الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٨ - باب فيه نُكَتٌ ونُتفٌ من التنزيل في الولاية
قال البيضاوي: «أي الحشر، أو ما وعدوا به من الخسف والحاصب» [١].
أقول: أو العلم بكيفيّة حال النذير الذي وعدهم اللَّه على وجه التخويف حيث قال:
«فَسَتَعْلَمُونَ» وهذا أشدّ وعيد يخوّف به، كما لايخفى على من له درية بأساليب الكلام.
والأظهر أنّ الضمير المنصوب في «رأوه» راجع إلى هذا الموعود، أي فلمّا رأوا بعين اليقين أنّ النذير ذا زلفة أي قربةٍ ومنزلةٍ عند اللَّه، وعلموا كيف هو يوم الجزاء سيئت وجوههم؛ لما علموا من أنفسهم ما فعلوا بالنسبة إليه في الدنيا من الاستخفاف وادّعاء الرئاسة في أهل مكّة والمدينة وقد خصّه اللَّه بها.
وعلى هذا في الآية تعريض للذين نصبوا أنفسهم للخلافة، ودعوا الناس إليهم، وإن كان وجه الكلام إلى مشركي قريش ومترئّسيهم الذين كانوا يدعون الناس إلى اتّباعهم، ويصرفونهم عن متابعة النبيّ ٦، ويدّعون الإمارة والحكومة؛ فالمتوجّه إليهم الكلام ظاهراً والمعرّض لهم كلاهما داخلان في الحقيقة في خطاب «ءأمنتم» وغيبة «فلمّا رأوه» والتخويف بمجيء يوم يرون فيه ما يسوء الوجوه على كليهما جميعاً، غاية الأمر أنّه على أحدهما على وجه التنزيل، وعلى الآخر على وجه التأويل.
وتخصيص الإمام غاصبي الخلافة ومنتحلي اسم أمير المؤمنين بالذكر لاستدعاء المقام بيان الفرد الخفيّ، لا للحصر، فلنبيّن ما يحتاج إلى البيان من أجزاء الحديث.
قوله: (وأصحابُه الذين). [ح ٦٨/ ١١٥٥]
رفع على الابتداء، وخبره جملة «يرون».
والتعبير عن متغلّبي زمانه ٧ بأصحابه من باب قوله تعالى: «قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ» [٢] في أنّ الصحبة تتحقّق بين المؤمن والكافر، وبهذا الاعتبار قوله تعالى: «إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ» [٣].
[١]. أنوار التنزيل، ج ٥، ص ٣٦٦.
[٢]. الكهف (١٨): ٣٧.
[٣]. التوبة (٩): ٤٠.