الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٥١ - باب فيه نُكَتٌ ونُتفٌ من التنزيل في الولاية
قدّر الزمخشري بأولى ممّا قدّر الإمام ٧، أعني منزلة من كانوا يستخفّونه في الدنيا وموضعه الذي جعله اللَّه له، وهو مجلس الحكومة والإمارة، واسمه وهو الرئيس والحاكم والأمير، وبأيّ وجه وجّه ذلك الفاضل سببيّة الباء على تقديره، فليوجّه بمثله على تقدير الإمام ٧، و «كنتم به» ذكر في عدّة آيات، وأنا اوردها لتحصيل بصيرة في أمر الباء:
في سورة التنزيل «وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ» [١]. في القاموس: «كذّب بالأمر تكذيباً وكذّاباً: أنكره. وفلاناً: جعله كاذباً». [٢]
وفي سورة سبأ: «وَ نَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ» [٣].
وفي سورة الدخان: «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ» [٤] إلى قوله تعالى: «إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ» [٥].
وفي سورة الحجر: «قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ» [٦].
وفي القاموس: «امترى فيه وتمارى: شك». [٧]
ولايخفى أنّه لم يصرّح في الآية مفعول تدّعون، ولا أنّ مرجع زاوه الحشر أو العذاب حتّى تكون الرؤية رؤية بصر، فتحتاج إلى توجيه نصب «زلفة» بالحاليّة أو الظرفيّة، وإرادة غير المعنى الذي ذكرها أرباب اللغة لخصوص الزلفة، أعني القربة والمنزلة والمكانة والدرجة، ولا أنّ سوء الوجوه الحالة التي تحصل لها عند القرب من النار المشتعلة شبه الاحتراق، أو الحالة التي تحصل لمن استضعف كريماً فاضلًا، واستحقره عند الأراذل، وتكبّر عليه وأهانه، ثمّ وجده ذا قربة ومكانة عند الملك العزيز الجبّار، والسلطان والعظيم القهّار قد شرّفه بالنيابة، وفوّض إليه الحكومة بين
[١]. السجدة (٣٢): ٢٠.
[٢]. القاموس المحيط، ج ١، ص ١٢٣ (كذب).
[٣]. سبأ (٣٤): ٤٢.
[٤]. الدخان (٤٤): ٤٣- ٤٤.
[٥]. الدخان (٤٤): ٥٠.
[٦]. الحجر (١٥): ٦٢- ٦٣.
[٧]. القاموس المحيط، ج ٤، ص ٣٨٩ (مري).