الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٨٢ - باب المؤمن وعلاماته
وأمّا الاحتياج إلى الجزء الثاني، وهو قوله ٧: «ويقطع بحزمٍ وعزم»؛ فلأنّ المجتري الغير الجازم ربما يقطع في اللَّه عمّن أمر اللَّه أن يوصل من الرحم، بسبب أنّه يرى فيه ما يرى أنّه بدعة، ومن مال إليه ملعون مستحقّ للقطيعة، مثل مطالعة كتب الصوفيّة أو كتب الحكمة، والحرص عليها، وصرف الأوقات فيها، والحزم أن لا يقطع بذلك عنه، ولا يقع بمجرّده فيه؛ إذ لعلّ غرضه تفتيش الحقّ وإحقاقه، وتمييز الباطل وإزهاقه، ولو كان رأى هذا المجتري أنّ الصوفيّة والحكماء المشهورين ملاحدة، وكتبهم كتبُ ضلال، يجب أن تُحرق أو تغسل، فضلًا أن ينظر فيها ويتأمّل.
فالحزم أن يقول: إنّ الآراء مختلفة، ومراتب الأفهام متفاوتة، فلعلّ أخي لم يصل فهمه إلى ما فهمت، وعرضت له شبهة لم يستطع أن يخرج عنها ويدفعها كما دفعت أنا، خصوصاً وقد رأى فضلاء كثيرين من الفرقة الناجية يعظّمونهم ويبجّلونهم، ويذكرونهم في كتبهم بأحسن الذِّكر، ويأوّلون ما كان من كلامهم غير صحيح الظاهر بتأويلات مخرجة إيّاه عن البطلان، ورأى فضلاء آخرين على عكس ذلك، فإن وقع من هذه الجهة أو غيرها من الجهات في الشبهة وقال: إنّ أحد الفريقين قد عرض له الغلط لا محالة، فينبغي الفحص والبحث بنيّة خالصة صافية عن الميلان عسى أن يهديني سواء السبيل، لم يكن بعيداً كلّ البُعد، فيصله ويجعل من أعظم صِلاته الدُّعاءَ له، والتضرّع إلى اللَّه تعالى أن يهديه إلى الطريقة المستقيمة.
وقومٌ تنزّلوا عن تكفير الصوفيّة، وجوّزوا التجوّد في عباراتهم، ولكن نسبوا مشايخهم الماضين مثل العطّار والسنائي والمولوي إلى التسنّن لمّا رأوا أنّهم مدحوا الخلفاء في صدور دواوينهم، فلذلك يلعنونهم، ويقطعون عنهم، ويتبرّؤون منهم.
وهذا أيضاً خلاف الحزم، وكذا لعن كثير من العلماء المتأخّرين- الذين ذكروا اولئك الملاعين في كتبهم ومدحوهم من المفسّرين والمتكلِّمين، مثل صاحب الكشّاف والفخر الرازي والبيضاوي والتفتازاني والسيّد الشريف وغيرهم- خلاف الحزم، فإنّا نرى في تصانيفهم آثار كمال الفطانة والذكاء، وجودة القريحة واستقامة