الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٨٣ - باب المؤمن وعلاماته
السليقة في مقام حلّ العبارات الشريفة القرآنيّة، وإبداء الاحتمالات لها، واستنباط المعاني الشريفة الغامضة منها، وكذا في مقام عقد البراهين على المطالب الغير الدينيّة، وفي مقام ذكر مساوي الدنيا وآفات النفس ووجوه اغترارها وزللها، وأسباب الزلل وعللها، ويستبعد العقل كلّ الاستبعاد أن يخفى على من هذا شأنه حقيّة أمير المؤمنين ٧ مع كمال ظهورها وبطلان من عارضه وغصب حقّه مكراً وخديعة، فيجوز بل يظنّ أنّ ما يكون ما أودعوه في كتبهم من التوجيهات الركيكة والاستدلالات الواهية على سبيل المجاملة واسترضاء جماعة من الحمقى المقلّدين، وأهل البغض المتعصّبين، حفظاً للعرض والعيال، وصوناً للدِّماء والأموال، ويقول: لعلّهم راعوا في تصوير تلك الأباطيل بصورة الحقّ وتمويهها وزخرفتها مصلحةً اخرى أيضاً زائدة على مصلحة التقيّة، وهي أن يصل في غابر الزمان إلى نظر أرباب العقول السليمة، والأذهان المستقيمة، فيتفطّنوا من ظهور سقوط تلك الأباطيل وهن بنيانها، وذكاء الآتين بها، ومظهري الاعتماد عليها بأنّهم كانوا اسراء جبابرة عصرهم، لم يستطيعوا الخروج عن مملكتهم، وإذ كانوا معروفين بالفضل المتوقّع منهم أن يصنّفوا في نصرة المذهب فعلوا ما فعلوا مجاملةً وتقيّةً، فيترحّموا عليهم، ويرقّوا لهم.
فمع هذا الاحتمال القويّ الظاهر عند اولي البصائر كيف يجترأ باللعن عليهم والطعن فيهم، مع أنّه ورد في الحديث أنّه: «إذا لعن أحد أحداً، فإن كان ذلك مستحقّاً له، وإلّا رجع إلى اللاعن». [١]
فالحزم كفّ اللسان عنهم، وأن يوكَلَ أمرهم إلى اللَّه يفعل بهم ما يستحقّون، وإن شاء ألبتّة أن يلعن عليهم على وجه الجزئيّة والخصوص، فبقيد الشرط، لا على سبيل الإطلاق، بأن يُقال: اللهمَّ العن فلاناً إن كان باطن أمره على وفق ظاهره.
فإن قلت: إنّهم ذكروا في كتبهم ما لا يدعو إليه ضرورة التقيّة.
[١]. بحار الأنوار، ج ٧٢، ص ١٦٦، ذيل ح ٣٧؛ سنن أبي داود، ج ٢، ص ٤٥٧، ح ٤٩٠٥؛ المجموع للنووى، ج ٤، ص ٣٩٤؛ كنزالعمّال، ج ٣، ص ٦١٧، ح ٨١٩٣.