رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٤
الأخلاق والفن والعلم والمستوى المعيشي، فهذا تفسير خاطئ للفقه الإسلامي. فقد كان الفقه الإسلامي قادراً على إدارة مجتمع المسلمين في العصر الّذي كانوا فيه روّاد العالم في الأخلاق والفن والعلم والمعيشة، وكان مجتمعهم الأرقى في جميع ذلك، بل إنّ المستوى الّذي بلغته الإمبراطورية الإسلامية العظمى في العصر العباسي وما بعده، لدليل على قدرة الإسلام. حيث استطاع في ضوء قوانينه أن يربّي في أحضانه حضارة كهذه.
يبدو أنّ صاحب هذه الفكرة يقصد شيئاً آخر، وهو أنّ الفقه الإسلامي غير قادر على إدارة المجتمعات الغربية بالخصوصيات الّتي تمتاز بها. لكن عدم القدرة هذه ناشئة من كون المجتمعات الغربية لا تعير اهتماماً للقيم السامية، بل هي لا ترى حدوداً لإشباع شهواتها الحيوانية. إنّ الفقه الإسلامي لا ينسجم مع مجتمع «مادي» بكلّ تأكيد. فالإسلام يعادي كلّ سياسة تقوم على تجاهل حقوق المستضعفين، وكلّ عرف يقرّ الخمر والقمار والابتذال، ولا يلائمهما مطلقاً، وما أرسل الرسل إلاّ لتغيير البيئة الفاسدة، وليس لإدارة المجتمعات كيفما كانت، ودون المساس بوضعها. وتوسيع نطاق السلطة على حساب المبادئ، ليس هو هدف القادة الربّانيّين والفكر الإسلامي .
الفقه علمٌ استهلاكي!
هناك من يقول أيضاً: إنّ الفقه علم استهلاكي، فهو مستهلك للعلوم الطبيعية والإنسانية واللغوية والاجتماعية القديمة. وهذا الاستهلاك لا يقتصر على علوم الدرجة الثانية، بل يطال علوم الدرجة الأُولى أيضاً .