رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩
إنّ عالم الدهر يرسم ويعكس عدم عالم الطبيعة ; لأنّ عالم الدهر بما أنّه سابق على عالم الطبيعة فيحتضن الدهرُ عدَمَ الموجود المتأخّر فيقال: عالم المادة بتمام صورها مسبوق بالعدم في عالم الدهر، وهذا ما يقال: إنّ الملكوت يحتضن عدم عالم الملك لسبق الملكوت في مرتبة الوجود على الملك.
ويمكن لك بيان هذا بتعبير آخر هو:
إنّ الحدوث الدهري عبارة عن كون الماهية الموجودة المعلولة مسبوقة بعدمها المتقرّر في مرتبة علّتها بما أنّها يُنتزع عدمها بحدّها عن علّتها وإن كانت علّتها واجدة لكمال وجودها بنحو أعلى وأشرف.[١]
توضيح ما ذكره: أنّ عالم الدهر علّة لعالم الملك، فبما أنّ كلّ علّة جامعة لكمال معلولها ومع ذلك كلّه فعدم المادة بحدّه ـ لا بكماله ـ متقدّم على وجوده، وهذا ما يقال له: الحدوث الدهري، أي سبق عدم عالم المادة على وجوده في مرتبة علّتها. فظهر أنّ الحدوث الدهري ليس إلاّ سبق عدم الماديات على وجودها، وليس لهذا النوع من العدم محلٌ إلاّ عالم الدهر.
فلو كان الحدوث هو سبق عدمه على الوجود فهذه العوالم المحسوسة سبقت عدمها على وجودها لأنّ علّتها ـ أعني: المفارقات ـ تعكس عدمها.
وإن شئت بياناً أوضح فاستمع إلى بيان الشيخ الآملي على شرح المنظومة[٢]: إنّ عالم الملك مسبوق الوجود بالعدم الدهري، ووجه كونه
[١] نهاية الحكمة:٢٠٦.
[٢] راجع شرح المنظومة: ٢ / ٢٩١ و ٢٨٨ .