رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨٤
نظرية الماديّين والإلهيّين حول الروح
زعم الماديون أنّ الإنسان ليس إلاّ مجموعة خلايا وعروق وأعصاب وعظام وجلد، وليس وراء الوجود المادي له موجود علوي باسم الروح، وإنّما الإنسان هو الهيكل المشهود الذي يحكم عليه بالقواعد المادّية وليس وراء ذلك شيء باسم النفس أو الروح.
لكنّ الإلهيّين استدلّوا على وجود النفس الإنسانية المجرّدة عن المادة و آثارها بوجوه فلسفية وعلمية لايمكننا نقل قليل منها فضلاً عن الكثير، وإنّما نشير هنا إلى برهان حسّي وتجربيّ ذكره الشيخ الرئيس في كتابيه «الإشارات» و « الشفاء» وسماه: ببرهان الطلق، لورود عبارة الهواء الطلق في تعبيره، وإليك نصّ البرهان:
إفرض نفسك في حديقة زاهرة غنّاء، وأنت مستلق لاتُبصر أطرافك ولاتنتبه إلى شيء، ولا تتلامس أعضاؤك، لئلاّ تحسّ بها، بل تكون منفرجة، و مرتخية في هواء طلق، لاتحسّ فيه بكيفية غريبة من حرٍّ أو برد أو ما شابه، ممّا هو خارج عن بدنك. فإنّك في مثل هذه الحالة تغفل عن كلّ شيء حتى عن أعضائك الظاهرة، وقواك الداخلية، فضلاً عن الأشياء التي حولك، إلاّ عن ذاتك، فلو كانت الروح نفس بدنك وأعضائك وجوارحك وجوانحك، لزم أن تغفل عن نفسك إذا غفلت عنها، والتجربة أثبتت خلافه.
و بكلمة مختصرة: «المغفول عنه، غير اللا مغفول عنه». وبهذا يكون إدراك الإنسان نفسه من أوّل الإدراكات وأوضحها.[١]
[١] لاحظ : الإشارات: ٢/٩٢; الشفاء: ٢٨٢ و ٤٦٤، قسم الطبيعيات.