رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٢٢
و بعبارة أُخرى: لايصح لنا تفسير الآية الثالثة إلاّ بضد الآية الرابعة. فبما أنّ الآية الرابعة صريحة في أنّ المراد توقع العُصاة العذاب الفاقر، يكون المراد من الآية الثالثة توقّع المؤمنين، الرحمةَ والفضلَ والكرمَ حتى ولو كان النظر بمعناه الحقيقي، إذ ليس كلّما أُطلق لفظ النظر يراد به الرؤية الحسّية، بل ربما يكون النظر كناية عن التوقّع والانتظار، مثلاً يقال: «فلان ينظر إلى يد فلان» ويراد أنّه رجل معدم محتاج ليس عنده شيء وإنّما يتوقّع عطاء الشخص، فما أعطاه مَلَكه وما منعه حُرِم منه. وهذا ممّا درج عليه الناس في محاوراتهم العرفية ويقال: «فلان ينظر إلى اللّه ثم إليك»، فالنظر وإن كان هنا بمعنى الرؤية لا الانتظار، ولكنّه كناية عن توقّع رحمته سبحانه أوّلاً، وكرم الشخص المأمول ثانياً، كما يقال: «يتوقع فضل اللّه سبحانه ثم كرمك».
فمحور البحث والمراد هو توقّع الرحمة وحصولها أو عدم توقّعها وشمولها، فالطغاة يظنون شمول العذاب، والصالحون يظنون عكسه وضده، وأمّا رؤية اللّه سبحانه ووقوع النظر إلى ذاته فخارج عمّا تهدف إليه الآية.
قال الزمخشري في كشّافه: وسمعت سَرَوِيّة مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى مقائلهم تقول: «عُيَيْنَتَيَّ نُوَيْظِرَةٌ إلى اللّه وإليكم» تقصد راجية ومتوقعة لإحسانهم إليها.[١]
هذا هو مفتاح حل المشكلة المتوهّمة في الآية، فتفسير الآية برؤية ذاته غفلة عن القرينة الموجودة فيها.
[١] تفسير الكشّاف:٤/٦٢٢. ٢ . التوحيد للصدوق: ١٠٨.