رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦١
سواه، سواء أصدر من أعظم الفُصَحاء والبُلغاء أو من غيرهم، وهذا هو الّذي لمسه العرب المعاصرون لعصر الرسالة، كما أنّهم أذعنوا بأنّ القرآن كتاب سماوي معجز، لا يقدر الإنسان ـ مهما عظمت طاقاته ـ على الإتيان بمثله. ولكن عندما يُتسَاءل عن سرّ إعجازه، يتوقّف الكثير منهم في ذلك ولا يأتون بكلمة شافية تغني السائل.
فمنهم من ذهب إلى أنّ شأن الإعجاز عجيب، يُدْرَك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن، تُدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة. وأضافوا: «إنّ مُدرك الإعجاز هو الذوق ليس إلاّ، وطريق اكتساب الذوق، طول خدمة علمَيْ المعاني والبيان. نعم، للبلاغة وجوه متلثمة، وربّما تيسرت إماطة اللثام عنها لتتجلّى عليك. أمّا نفس الإعجاز، فلا[١].
ومنهم مَن يحيل سبب الإعجاز إلى فرط الفصاحة والبلاغة، من دون أن يشرح السبب، ويطرحَ آيات من القرآن على منضدة التشريح، ويقارنها بكلام من كلم فصحاء العرب وبلغائهم، وأقصى ما عندهم هو التصديق بكونه معجزاً بحجة أنّ أساطين البلاغة وأساتذتها عجزوا عن الإتيان بمثله في عصر نزول القرآن. ولكن هذا دليل إقناعي، ورجوع إلى أهل الخبرة.
إلاّ أنّ هناك جماعة من المحقّقين لم يقنعوا بهذا القدر دون البحث عن حقيقة إعجازه، فبحثوا ونقبوا حتى رفعوا اللثام عن وجه إعجازه، وبيّنوا الدعائم والأركان الّتي يقوم عليها تفوّقه على كلام البشر، قائلين:
هل يمكن أن يُعَرِّف سبحانه كتابَه النازلَ على نبيّه، معجزاً وخارقاً،
[١] مفتاح العلوم، للسكاكي: ١٧٦، قسم البيان .