رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٤٠
أُخرى تُعد غاية الفعل وغرضه.
و ربما يفسّر (سُدى) بمعنى أن يكون مجرّداً عن التكليف والأمر، وبالتالي بأن يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء، بل أنّ الله وضع عليه التكليف وحدّد حياته به فلو أطاع يثاب يوم القيامة ولو خالف يُجزى به، وعلى كل تقدير فهذه الفقرة برهان لوجود المعاد بعد الارتحال عن الدنيا.
الثاني: التركيز على سعة قدرته سبحانه وأنّ منكري المعاد ما عرفوا اللّه حق معرفته، فجعلوا قدرته نظير قدرة الإنسان فأنكروا المعاد، ولكن قياس قدرة الإنسان على قدرة اللّه قياس باطل، فأين الظلمة من النور، والعجز من القدرة، قال سبحانه: (لَخَلْقُ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).[١]
و من مظاهر قدرته نشأة الإنسان وتطوّره من النطفة إلى العلقة ثم إلى الإنسان السويّ; فهذا يدلّ :
أوّلاً: على أنّ خلقة الإنسان ذات نظام خاص مخطط له حيث إنّ كلّ مرحلة من مراحل الخلقة في الأرحام مقدّمة للمرحلة الأُخرى، فهذا يدلّ على أنّ هناك حكيماً ناظراً إلى تطوّر الخلقة وتكاملها.
و ثانياً: أنّ القادر على تصيير النطفة إنساناً سويّاً أولى بأن يكون قادراً على إعادته إلى الحياة مرّة أُخرى، ولذلك قال سبحانه: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنيٍّ يُمْنى)[٢]، فكيف يظن أنّه مهمل مع أنّه ينقل من حال إلى حال ومن نطفة إلى
[١] غافر: ٥٧.
[٢] القيامة: ٣٧.