رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٦
العقيدتين كالجمع بين المتناقضين، وذلك :
أوّلاً: أنّ هذا التوجيه يخالف نصوص المتشدّدين من أهل الحديث، فإنّهم يجرون الصفات الخبرية على الله بنفس معانيها من دون تقييد بما ذكره، قال القرطبي في تفسير قوله سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)[١]: وقد كان السلف الأوّل ـ رضي الله عنهم ـ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكافّة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنّه استوى على عرشه حقيقة .[٢]
فعلى هذا، فالمتشدّدون من أهل الحديث يصفونه سبحانه بمعاني هذه الصفات بلا ضمّ ضميمة .
ثانياً: أنّ اليد والرجل والعين تتقوّم بالكيفية الموجودة فيها، على نحو لو جرّدت منها لا تصدق عليها هذه الأسماء، فاليد عندهم عبارة عن الجارحة ذات الأصابع، وهكذا العين عبارة عن الجارحة الخاصّة الّتي تتقوم بالقرنية والقزحية والشبكية، فلو جردت من هذه المكونات فلا يصدق عليها اسم العين، وعندئذ فالجمع بين الفقرتين جمع بين المتناقضين، وإطلاق هذه الصفات على الله بنفس معانيها اللغوية يستلزم إثبات هذه الخصوصيات المقوّمة لهذه الأعضاء، وتقييدها (بلا كيف) يستلزم نفي هذه الخصوصيات، وبالتالي يلزم عدم إجرائها على الله بنفس معانيها اللغوية، وما هذا إلاّ جمعاً بين النقيضين.
وإن شئت قلت: إنّ إجراءها بنفس معانيها اللغوية يقتضي حفظ الكيفية
[١] الأعراف: ٥٤ .
[٢] تفسير القرطبي: ٧ / ٢١٩ .