رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٠
أمّا الأوّل فتتعلّق فيه الإرادة الجدية بنفس ما تعلّقت به الإرادة الاستعمالية فإذا قلت: اسقني ماءً؟ فقد تعلّقت الإرادتين بشيء واحد، وأمّا الثاني والثالث فقد تعلّقت الإرادة الاستعمالية فيهما بالمعنى اللغوي لكن لغاية الانتقال إلى مصداق من مصاديقه الادّعائية كما في المجاز، أو لازم من لوازمه كما في الكناية.
ثم إنّ الفرق بين المجاز والكناية هو أنّ المجاز يقوم على عملية الادّعاء، وأمّا الكناية فهي غنية عن الادّعاء.
ثم إنّ الكناية شائعة في كلام العرب، فهم يكنّون عن الإنسان الموصوف بالطهارة بقولهم: فلان عفيف الإزار، وعمّن يجاهر غيره بالعداوة: لبسَ له جلد النَّمر، وعمّن يغضب: ورم أنفه، كما يكنّون عن ترك الوطء بشدّ المئزر، وعن الجماع بالعُسيلة، وقد ورد أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لامرأة رفاعة القرظي: «حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» شبّه لذّة الجماع بذوق العسل، واستعار لها ذوقاً، وإنّما أُنثّ لأنّه أراد قطعة من العسل.[١]
وقد اختلفت كلمات العلماء في وجود الكناية في القرآن، فقد حكى صاحب البرهان عن الطرطوسي أنّه قال: قد اختلف في وجود الكناية في القرآن وهو كالخلاف في المجاز، فمن أجاز وجود المجاز أجاز الكناية، وهو قول الجمهور، ومن أنكر ذلك أنكر هذا. وبما أنّ أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه، نأتي بنماذج من الكنايات نظير ما ذكرناه في المجاز:
١. إنّ من عادة القرآن الكريم الكناية عن الجماع بالملامسة والمباشرة
[١] النهاية في غريب الحديث: ٣ / ٩٦ .