رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧٠
والخلاف، لايعصي ولايخالف، وقد قلنا في محلّه إنّ العصمة لا تسلب الاختيار والقدرة عن المعصوم، فلو صحّ ما في هذه الروايات من أنّ الملائكة أخرجت ما هو حظ الشيطان ومغمزه ومطمعه، أو صحّ ما يقولون أخرج الغلّ والحسد منه ـ كما في رواية أُخرى ـ[١] فمعنى ذلك أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)صار غير قادر على الإتيان بكلّ المعاصي أو بعضها كالغل والحسد فهذا يحطّ من عظمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فالنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)أعلى وأفضل من النبي يوسف(عليه السلام) حيث إنّه في قمّة شبابه وقوة شهوته، استعصم وقطع الطريق أمام إغراء امرأة العزيز التي هيّأت نفسها وتزيّنت بأجمل أنواع الزينة، فقال لها: (مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).[٢]
فلو لم يكن في النبي يوسف(عليه السلام) حاجة جنسية شديدة لما كان لهذا الردّ قيمة ولا فضل في سوق الإيمان.
فكذلك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما بلغ هذه المرتبة والمكانة لأنّه كان ذا قدرة على المعصية إلاّ أنّه لم يعص اللّه طرفة عين حتى لقائه بالرفيق الأعلى.
و ثانياً: أنّ عليّاً(عليه السلام) أعرف بحالات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في عامّة المراحل لأنّه ربيب بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ ربّاه في حجره يصف أيام طفولته بعد الفطام بقوله: «لقد قرن اللّه به(صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره».[٣]
[١] لاحظ: السيرة الحلبية: ١/١٦٠ـ١٦٧.
[٢] يوسف: ٢٣.
[٣] نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢،المعروفة بالخطبة القاصعة،الفقرة ١١٧.