رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧٨
يتردّدون فيما يواجهون من الأُمور الغيبية.
وعلى ضوء ذلك تقف على أنّ ما ملأ كتب السيرة وبعض التفاسير في مجال بدء الوحي، ونزول الوحيـ عليه في غار حراء من أنّ النبيّ تردّد وشكّ عندما بُشّر بالنبوة وشاهد ملك الوحي وامتلأ روعاً وخوفاً، إلى حد حاول أن يلقي نفسه من شاهق، وعاد إلى البيت فكلّم زوجته فيما واجهه، وعادت زوجته، تُسلّيه وتقنعه، بأنّه رسول رب العالمين، وأنّ ما رآه ليس إلاّ أمراً حقّاً، كلّ ذلك أساطير وخرافات، قد دسّها الأحبار والرهبان وسماسرة الحديث والقصّاصون في كتب القصص والسير والحديث، ونحن نكتفي في المقام بما ذكره البخاري في صحيحه وابن هشام في سيرته، فإنّ استقصاء كلّ ما ورد حول هذا الموضوع من الروايات المدسوسة يدفع بنا إلى تأليف رسالة مفردة ولكن فيما ذكرنا غنى وكفاية.
روى البخاري عن عائشة في باب كيف كان بدء الوحي أنّها قالت ـ بعد نزول أمين الوحي عليه في جبل حراء ـ : فرجع بها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي اللّه عنها، فقال: زمّلوني زمّلوني، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة ـ وأخبرها الخبر ـ : لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلاّ واللّه ما يخزيك اللّه أبداً إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق; فانطلقتْ به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزّى ابن عمّ خديجة وكان امرءاً تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللّه أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي فقالت له خديجة: يا