رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣٤
أن يفرق بينهما فقال: الكناية هي اللفظ الّذي أُريد به لازم معناه، ولكن من تمام تعريفها جواز إرادة المعنى الأصلي، وبذلك تفارق المجاز كقول الشاعر :
فما يك فيّ من عيب فإنّي *** جبان الكلب مهزول الفصيل
وقول الخنساء في صخر:
طويل النجاد عظيم الرما *** د ساد عشيرته أمردا
فإنّ جبان الكلب، ومهزول الفصيل، وعظيم الرماد كنايات عن الجود، وطويل النجاد كناية عن طول القامة، مع أنّه يجوز في كلّها قصد المعنى الأصلي، لأنّ الجواد مهزول الفصيل لنحره أُمّه وصرفه اللبن عنه في الحقوق (كذا والظاهر الضيوف).
وكذلك هو جبان الكلب لكثرة غشيان الضيوف بيته.
وكذلك هو كثير الرماد لكثرة وقود الحطب لقِرى الضيف، وطويل القامة طويل النجاد أيضاً، فلا مانع من قصد هذه المعاني الأصلية، وإن كان المراد الانتقال منها إلى لوازمها.[١]
أقول: ما ذكره زلة أدبية لا تستقال إذ لم يقل به أحد، لأنّ المقصود بالأصالة هو المعنى المكنّى عنها، بل ربّما يخرج الكلام عن المدح إلى الذم إذا أراد المعنى المكنّى به، فقوله: فلان كثير الرماد، إذا أُريد واقعاً كثرة الرماد في بيته، لعاد الكلام، ذماً وأنّ بيته مملوء بالنفايات.
بل ربّما لا يكون للمعنى المكنى به موضوع، فربّما لا يملك كلباً، ولا فصيلاً، ولا رماداً، ومع ذلك يصحّ التعبير عن سخائه بهذه التعبيرات.
[١] ملحق أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن : ١٠ / ٢٤٥ .