رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٠
(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَة أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنى وَفُرَادَى )[١]. نعم إنّ الفقهاء متّفقون جميعاً على اعتبار أنّ قصد القربة يمثّل روح العبادة في كافة الأعمال العبادية، وإلاّ فالعمل بدونها لغو لا طائل منه، وهو ما سنفصّل الحديث بصدده في مناقشتنا للسؤال الرابع.
أمّا فيما يتعلّق بالخصوصية الثانية، فننوّه أوّلاً إلى أنّه قد ساوى في هذا الشأن الفقه الشيعي بفقه بعض المذاهب، إذ تذكر المصادر الفقهية أنّ أبا حنيفة قد أوجد مبدأ «فتح الذرائع»، الذي يرفضه فقهاء الشيعة بالإضافة إلى جمع من فقهاء السنّة; لأنّه مبدأ يرمي إلى تحويل بعض الحرام إلى حلال وبالعكس، وذلك باللجوء إلى حيل شرعية الظاهر، في حين أنّ فقهاء آخرين يعتقدون بمبدأ آخر عرف باسم «سد الذرائع».
يقول الفقه الإمامي: إنّ التهرّب من الحكم يكون مقبولاً متى ما عيّنه الشرع نفسه، كما لو قال ـ مثلاً ـ على الإنسان أن يصوم إذا كان في حضر، ثم يأذن الشارع نفسه بالإفطار للمكلّف المسافر، مخيّراً له بين إقامته وسفره، وهذا اللون من التحايل من الشرع نفسه لا من الفقه، بل الصواب أن لا نسمّي حالة كهذه حيلة شرعية; لأنّ الحاضر والمسافر موضوعان يباين أحدهما الآخر، ولكلّ منهما حكمه الخاص.
إنّ احتراف التحايل من خصائص اليهود، الذين عرفوا بتنصّلهم عن تنفيذ الأحكام بحيل متعدّدة، وقد تطرّق القرآن الكريم إلى ماضيهم; فقد حرم الله عليهم الصيد في يوم السبت امتحاناً لهم، في الوقت الذي كانت أمواج البحر لا
[١] سبأ: ٤٦ .