رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦٢
ويباري الناس ويدعوهم إلى مقابلته والإتيان بمثله، ثم لا يوجد فيه حتى إشارات إلى ملاك إعجازه ووجه تفوّقه؟! إنّ مثل هذا لا يصدر عن الحكيم تعالى.
فعلى ضوء ذلك، لا بُدّ لنا من الإمعان في آيات القرآن الكريم حتى نلمس ونستكشف ملاك إعجازه وخرقه للعادة، وهذا هو ما نتعاطاه في هذا التحليل والّذي تَبَيَّن لنا بعد دراسة ما كتبه المحقّقون حول إعجاز القرآن، وبعد الإمعان في نفس آيات الذكر الحكيم، أنّ ملاك تفوّقه هو الأُمور الأربعة الّتي نذكرها بعد قليل.
أجل، إنّ ما نركّز البحث عليه في المقام راجع إلى الإعجاز البياني للقرآن، الّذي كان هو محور الإعجاز في عصر النزول وعند فصحاء الجزيرة، وبُلغائهم، وبه وقع التحدي. وأمّا إعجازه من جهات أُخرى، ككون حامله أُميّاً، وكونه مبيِّناً للعلوم الكونية الّتي وصل إليها البشر بعد أحقاب من الزمن، أو إخباره عن المُغَيَّبات، أو كونه مصدراً لتشريع مُتْقَن ومتكامل، أو غير ذلك من الجهات، فلا يمكن أن نعدّها ملاكاً للتحدّي يوم ذاك ، ووجه ذلك أنّ القرآن أبهر عقول العرب منذ اللحظة الأُولى لنزوله، سواء منهم في ذلك من شرح الله صدره للإسلام، أو من جعل على بصره غشاوة. وكان القرآن هو العامل الحاسم في أوائل أيام الدعوة، يوم لم يكن للنبي حول ولا طول، ولم يكن للإسلام قوة ولا منعة.
فلا بُدّ أن نبحث عن منبع ذلك في القرآن، قبل التشريع المُحكَم، وقبل النبوءة الغيبيَّة، وقبل العلوم الكونية، وقبل أن يصبح القرآن وحدة مكتملة تشتمل