رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٥٥
ولكنّه حاول أن يجد وجهاً للجر، فالتجأ فيه إلى كلام سيد الصياغة سيبويه، وأنّه قال: الكلام الجزل الفصيح يسترسل في الأحايين استرسالاً، ولا تختلف مبانيه لأدنى تغيير لدقائق في المعاني لا تحتفل بها العرب ثم عضد ما قاله بأنّ قال: ذكر الرب تعالى فرض الرجلين ذكره فرض اليدين، وربط منتهى الفرض في الرجلين بالكعبين ربطه واجب منتهى فرض اليدين بالمرفقين.
ومن يكتفي بالمسح فلا معنى لذكر الكعبين عنده، وهذا راجع إلى إطباق حملة الشريعة قبل ظهور الآراء على غسل الرجلين، ولمّا أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يبيّن الوضوء غسل رجليه، فاجتماع هذه الأُمور في القرآن والسنّة، وفعل السلف أظهر من الجريان على ما يقتضيه ظاهر العطف.
يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ الذكر الحكيم لم ينزل على رأي سيبويه وأضرابه، بل نزل على فهم عامّة الذين يفهمون معاني الجمل والكلمات، بصميم ذواتهم وبطريقتهم المألوفة بين المدني والبدوي، فما ذكره من أنّ الكلام الجزل يسترسل في الأحايين استرسالاً، لا يناسب مقام التشريع والتقنين، فإنّ الحاجّة هنا ماسّة للتعبير الناصع، والبيان الواضح لا البيان الّذي يوجب الإجمال والإبهام حتّى تصل النوبة إلى سيد الصياغة ويفسّره بما ذكره.
وبعبارة أُخرى هنا مقامان:
الأوّل: مقام التشريع وتبيين الوظيفة لعامّة الناس من مدنيهم وبدويهم وعالمهم وجاهلهم، فهذا المقام رهن وضوح البيان، وإلاّ لناقض الغرض منها.
الثاني: التحدّي بفصيح الكلام وبليغه وإعمال المحسّنات اللفظية، وهذا ما يناسب غير مقام التشريع.