رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨٩
النفس اللوامة، فيشعر عظمة الجريمة ولايستطيع التحمّل، وبالتالي يفقد الشعور والعقل.
و في تاريخ المجرمين ما يشهد على ذلك منها:
إنّ بسراً قائد جيش معاوية لمّا دخل الطائف، وقد كلَّمه المغيرة، قال له: لقد صدقتني ونصحتني، فبات بها، وخرج منها، وشيّعه المغيرة ساعة، ثم ودّعه وانصرف عنه، فخرج حتى مَرَّ ببني كنانة، وفيهم ابناعبيداللّه بن العباس وأُمّهما، فلما انتهى بُسْر إليهم، طلبهما، فدخل رجل من بني كنانة ـ وكان أبوهما أوصاه بهما ـ فأخذ السيف من بيته وخرج، فقال له بُسْر: ثكلتك أُمّك! واللّه ما كنّا أردنا قتلك، فلِمَ عرضت نفسك للقتل! قال: أُقتل دون جاري أعذَر لي عند اللّه والناس. ثم شدّ على أصحاب بُسْر بالسيف حاسراً،....، فضارب بسيفه حتى قُتل، ثم قُدِّم الغلامان فقتلا. فخرج نسوة من بني كنانة، فقالت امرأة منهنّ: هذه الرجال يقتلها، فما بال الولدان! واللّه ما كانوا يقتلون في جاهلية ولا إسلام، واللّه إنّ سلطاناً لايشتدّ إلاّ بقتل الرضيع الضعيف، والشيخ الكبير، ورفع الرحمة، وقطع الأرحام لَسُلطان سوء; فقال بُسْر: واللّه لهممت أن أضعَ فيكنّ السيف، قالت: واللّه إنّه لأحَبُّ إليّ إن فعلت! [١]
ثم يقول: فلم يلبث بُسر بعد ذلك إلاّ يسيراً حتى وسوس وذُهب عقله، فكان يهذي بالسيف، ويقول: أعطوني سيفاً أقتل به، لايزال يردد ذلك حتى اتّخِذ له سيف من خشب، وكانوا يدنون منه المرفقة، فلايزال يضربها حتى
[١] شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد: ٢/١٤; الغدير: ١١ / ٢٦ .