رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٢١
النظر في الآية بمعناه المعروف، إنّما الكلام في أنّه هل أُريد منه المعنى الحقيقي والرؤية الحسّية فقط، أو أنّه كناية عن معنى آخر، فالسلفيون ـ المغترّون بأحاديث الرؤية يوم القيامة ـ يحملون اللفظ على المعنى الحقيقي وهو الرؤية، إلاّ أنّ المنزّهين يجعلون المعنى اللغوي كناية عن توقّع الرحمة ونزولها، والشاهد عليه مضافاً ـ إلى أنّه مقتضى التنزيه ـ ما ورد في سورة عبس كما مرّ.
بيان آخر لرفع الإبهام عن قوله: (نَاظِرَة)
لا شكّ أنّ الآيات المذكورة من المحكمات ولا إجمال فيها، والذي يبطل الاستدلال هو أنّ النظر سواء أكان بمعنى الرؤية أم بمعنى الانتظار لايدلّ على أنّ المراد هو الرؤية الحقيقية، ويعلم ذلك بمقارنة الآيات المذكورة بعضها ببعض ، وعندئذ يرتفع الإبهام عن وجهها. وإليك تنظيم الآيات حسب المقابلة:
أ. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ) يقابلها قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ).
ب . ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) يقابلها قوله: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ).
و لا شكّ أنّ الآيتين الأُوليين واضحتان جدّاً، وإنّما الكلام في الآية الثالثة فيجب رفع إبهامها عن طريق الآية الرابعة التي تقابلها.
و بما أنّ المراد من الآية الرابعة هو أنّ الطائفة العاصية التي عبّر عن صفتها بكونها ذات وجوه باسرة، تظن وتتوقّع أنْ ينزل بها عذاب يكسر فقارها ويقصم ظهرها، يكون ذلك قرينة على المراد من الآية الثالثة، هو أنّ الطائفة المطيعة ذات وجوه ناضرة تتوقع عكس ما تتوقّعه الطائفة الأُولى، وتنتظر فضله وكرمه. هذا هو الذي يستظهره الذهن المجرد عن كل رأي مُسْبَق، من مقابلة الآيتين.