رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٤
قطعت يداه يوم مؤتة جعل الله له جناحين يطير بهما، وجناحا الطائر بمنزلة اليدين من الإنسان، سمّيا بذلك لميلهما في شقّيه من الجنوح وهو الميل.(٢)
هذا حول الجناح، وأمّا الذُّلّ بالضّم فهو: الانقياد والسهولة، أو اللين والتواضع، وتذلّل له: خضع وتواضع .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الشريف الرضي يفسّر الآية بأوضح العبارات ويذكر أنّ في الآية استعارة عجيبة، يقول: والمراد بذلك الإخبات للوالدين، وإلانة القول لهما، والرفق واللطف بهما، وخفض الجناح في كلامهم عبارة عن الخضوع والتذلّل وهما ضد العلو والتعزّز، إذ كان الطائر إنّما يخفض جناحه إذا ترك الطيران، والطيران هو العلو والارتفاع، وإنّما قال تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ )ليبيّن تعالى أنّ سبب الذلّ هو الرحمة والرأفة، لئلاّ يُقدّر أنّه الهوان والضراعة، وهذا من الأغراض الشريفة والأسرار اللطيفة.[١]
وأمّا قوله تعالى: (وَ اخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)، ففيه ثلاثة احتمالات:
الأوّل: أن يكون الخفض في الآية مأخوذاً من خفض الطائر جناحه ليجمع تحته أفراخه رحمة بها وحفظاً لها، فأمر سبحانه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يسع برحمته ورأفته عامة المؤمنين ويجعل الجميع تحت رحمته بلا فرق بين مؤمن وآخر، كما أنّ الطائر يضمّ جميع أفراخه تحت جناحه.[٢]
الثاني: أن يكون خفض الجناح كناية عن لين الجانب والتواضع والرفق،
[١] تخليص البيان في مجازات القرآن: ٩٨ .
[٢] تفسير الميزان: ١٥ / ٣٢٩ .