رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٩
قال الزركشي: وأمّا المجاز فاختلف في وقوعه في القرآن. والجمهور على الوقوع; وأنكره جماعة منهم: ابن القاصّ من الشافعية، وابن خويزمنداد من المالكية، وحكي عن داود الظاهري وابنه وأبي مسلم الأصفهاني. وإليك شبهاتهم:
الشبهة الأُولى: أنّ المتكلّم لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلاّ إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وهو مستحيل على الله سبحانه.
وقد أجاب عنها الزركشي بقوله: وهذا باطل ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلّوه من التوكيد والحذف، وتثنية القصص وغيرها، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطرُ الحُسن .[١]
أقول: الأَولى الإجابة بوجه آخر، وهو:
أوّلاً: أنّه سبحانه قد استخدم المجاز لا لأجل أنّه ضاقت به الحقيقة فالتجأ إلى المجاز، وإنّما أراد أن يكلّم الناس حسب عقولهم وحسن طبعهم، وجمال ذوقهم، ولاشكّ أنّ المجاز يعطي للكلام روعة، وبلاغة، ومعنى رائقاً وأنّ الكناية [٢] أبلغ من التصريح، ولذلك تكلّم سبحانه على ما اعتاد عليه الناس واستحسنوه.
ثانياً: أنّ المعترض إذا أراد من الحقيقة، الواقعية، فالمجاز أيضاً حقيقة أُخرى، فالمتكلّم جعل المعنى اللغوي جسراً إلى تلك الحقيقة، ولعلّه اغترّ بكلمة
[١] البرهان في علوم القرآن: ٢ / ٢٥٥ .
[٢] إنّ بعض العلماء اعتبر الكناية ضرباً من ضروب المجاز، ولذا أنكر وقوعها في القرآن منكرو المجاز فيه .