رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٦
خَلْقِهِمُ، ابْتِلاَءً عَظِيماً، وَامْتِحَاناً شَدِيداً، وَاخْتِبَاراً مُبِيناً، وَتَمْحِيصاً بَلِيغاً ».
وكما قال في ذيل كلامه: «وَلكِنَّ اللهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الَْمجَاهِدِ، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَ إِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ»، فالغاية من جعل البيت الحرام في هذه الأرض الخشنة والأجواء القاسية، هي لأجل الابتلاء والامتحان، الّذي هو غاية التكليف.
فاختبار العباد بالتكاليف الشاقّة لا يعني أنّه لا يجب على الله سبحانه ـ حسب حكمته ـ أن ينصب للعباد ما يقرّبهم إلى الطاعة ويبعدهم عن المعصية كالوعد والوعيد للمطيع والعاصي، كما سيوافيك في دراسة القاعدة الثانية.
فالاختبار بالشدائد أمر لازم لتمييز المطيع عن العاصي، وأمّا جعل الداعي على الطاعة في مواضع خاصّة فهو أمر آخر، لا ينازع أحدهما الآخر.
ومع ذلك فلم يترك الله سبحانه إعمال اللطف في الحج بطريق آخر وهو أنّه قال: (وَ للهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)[١]، فقد عدّ مَن تركه تساهلاً أو عصياناً من الكافرين وإن كان الكفر هنا كفر النعمة لا كفر الملّة .
قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)في وصيته للحسن والحسين (عليهما السلام): «وَاللهَ اللهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ، لاَ تُخَلُّوهُ مَا بَقِيتُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا».[٢]
[١] آل عمران: ٩٧ .
[٢] نهج البلاغة: ٣ / ٨٦: الرسالة رقم ٤٧ .