رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٥٤
قال سبحانه: (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ)[١] . فقد قرأ رسوله بالرفع وهو عطف على لفظ الجلالة إسم إنّ فإن محلّه بما أنّه مبتدأ مرفوع.
والعجب أنّ إمام الحرمين مكان أن يأتي بمثال من الذكر الحكيم يتمسّك بكلام بعضهم الذين يقولون: يا عمر الجواد، قائلاً: «بأنّ المنادى المفرد العلم وإن كان مبنياً على الرفع فأصله النصب» مع أنّ الأولى الاستشهاد بالذكر الحكيم.
هذا كلّه حول القراءة بالفتح، إنّما الكلام على القراءة بالكسر فقد أوجدت إشكالاً بين القائلين بغسل الأرجل فقد ذكروا وجوهاً بعيدة تعرضنا لها في كتابنا «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف».
ومن أردأ الوجوه الّذي ردّه أيضاً إمام الحرمين هو القول بأنّ الجرّ للجوار بمعنى أنّ الأرجل معطوف على وجوهكم فيكون المعنى فاغسلوا وجوهكم وأرجلكم، ومقتضى العطف هو النصب، لكنّ الجرّ لأجل كونه في جوار «برؤوسكم» فاكتسب الجر من الجار، كما في قولهم: جحر ضبٍّ خربٍّ، فقرأ «خربٍّ» بالجر، وكان يجب أن يُرفع لأنّه خبر جُحر، وما ذلك إلاّ لكونه في جوار ضبٍّ.
يلاحظ عليه: أنّ الجر بالجوار لا يوجد ولم يوجد في الكلام الفصيح، ولو قيل به فإنّما يجوز في مضايق القوافي لأجل حفظ أوزان الشعر، وأمّا الكلام الفصيح الّذي ورد لبيان الحكم الإلهي الّذي يبتلي به المكلّف يومه ونهاره، فلا يجري فيه أبداً .
وهذا ممّا اتفقنا عليه مع إمام الحرمين جزاه الله خير الجزاء.
[١] التوبة: ٣.