رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٧
انبرى الفقيه ليفتي بحكمه في ضوء الاجتهاد والتعمّق في مصادر الفقه.
وهكذا «بيع وشراء الأسهم» إذ لم يبيّن الفقه حكمه قبل وجوده; لكنّه فعل ذلك عندما ظهر في المجتمع. وهذا الأمر ليس مدعاة للانتقاص من الفقه، بل هو دليل على طاقته الذاتية الكامنة في رفد موضوعات الحياة بالأحكام دون تلكّؤ.
أمّا كون الفقه ليس واضعاً لبرنامج فهو غير دقيق من ناحيتين:
أوّلاً: أنّ القائل بهذا اقتصر في نظره على مسائل الحلال والحرام، ولم يلتفت إلى السنن والمستحبات المبثوثة في مختلف أبواب الفقه، والّتي هي جميعاً مؤسسة، أي أنّها تعطي نموذجاً لما ينبغي أن تكون الحياة عليه، فالقسم الأعظم من روايات كتاب المعاشرة تحمل هذا المعنى.
ثانياً: أنّ توقّعنا وضع الفقه لبرنامج للمجتمع، يشبه توقّعنا حلّ المشاكل الفيزيائية من قبل علم الكيمياء، وهو توقّع ليس في محلّه. فالإسلام لم يأتِ ليجمّد جميع الأفكار والتطلّعات، وينفرد في ميدان الحياة يحدّد لكلّ شيء مهمّته، بل لقد دعا الإسلام المجتمع إلى التفكّر والتدبّر والتخطيط والسعي والتشاور في شؤون حياته. ثم يأتي دور الفقه في صيانة التخطيط بفرز الجائز من غير الجائز، وهذا هو سر خاتمية الإسلام. حيث اكتفى في دعوته بالعموميات، وأوكل التفاصيل إلى مقتضيات الزمان، ولو أنّه كان قد وضع برنامجاً عامّاً منذ اليوم الأوّل، لما انسجم تخطيطه مع جميع صيغ الحياة بلا شك .
وما نسبه صاحب المقال إلى الفقهاء من المواقف السلبية إزاء تحرير العبيد وإلغاء نظام الإقطاع، كلام لا أساس له; لأنّ إحدى موارد صرف الزكاة الّتي عيّنها الإسلام هي «عتق رقبة العبد»، هذا فضلاً عن أنّه جعل عتق الرقبة كفّارة