رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٣
ولكن عامّة المسالك خاطئة ; لأنّ حجر الأساس لهذه المسالك هو الظهور الإفرادي، ولاشكّ أنّ كلمة «ناظرة» تعني ما عليه أهل الحديث من النظر إلى الله بالأبصار، يقول الشيخ أبو الحسن الأشعري:
«إنّ النظر في الآية لا يمكن أن يكون نظر الانتظار، لأنّ الانتظار معه تنقيص وتكدير، وذلك لا يكون يوم القيامة، لأنّ الجنّة دار نعيم وليست دار ثواب أو عقاب، ولا يمكن أن يكون نظر الاعتبار، لأنّ الآخرة ليست دار الاعتبار بل دار ثواب أو عقاب، ولا يمكن أن يكون نظر القلب، لأنّ الله تعالى ذكر النظر مع الوجه، فاتّضح أنّه نظر العينين، وإذا بطلت هذه المعاني للنظر لم يبق إلاّ آلة واحدة وهي نظر الرؤية».[١]
يلاحظ عليه: أنّه لا دليل على أنّ الآيات تحكي أحوال المؤمنين بعد دخول الجنّة والكافرين بعد الاقتحام في النّار، بل قوله سبحانه: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ)دليل على أنّهم يظنون ذلك قبل دخولهم النّار، فلا يكون مثل هذا الانتظار تكديراً وتنقيصاً. ثم إنّه سبحانه ينسب النظر إلى الوجوه لا إلى العيون، فلو كان المراد هو الرؤية لكان اللازم أن يقول: عيون يومئذ ناظرة، ثم إنّ أهل التنزيه فسّروا قوله «ناظرة» بالانتظار لا الرؤية، قائلين بأنّ هذه الكلمة إذا استعملت مع (إلى) تأتي بمعنى الانتظار. يقول الشاعر:
وجوه ناظرات يوم بدر *** إلى الرحمن يأتي بالفلاح
ونحن نقول: سواء أقلنا بأنّ النظر في الآية بمعنى نظر العين أم بمعنى
[١] اللمع: ٦٤ .