رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦٧
والثاني: ما لا يبلغ إلى هذا الحدّ.
ولكل واحد درجات ومراتب.
ولا يخفى أنّ جعل البلاغة بهذا المعنى (أي العرض الصحيح
المطابق للغرض) لا يكون ركن الإعجاز وإن بلغ الكلام إلى نهاية الإتقان
في العرض، ما لم يضمّ إليه شيء آخر، وهو إتقان المعاني وسموّ المضامين. وإلاّ فالمعاني المبتذلة، والمضامين المتوفّرة بين الناس إذا عرضت
بشكل مطابق للغرض الداعي إلى التكلّم، لا يصير الكلام معها معجزاً خارقاً للعادة.
ولأجل ذلك كان على القوم الذين جعلوا الفصاحة والبلاغة ركنين للإعجاز، وملاكين له، إضافة قيد آخر، وهو كون المعاني والمضامين عالية وسامية، تسرح فيها النفوس، وتغوص فيها العقول.
ومن هنا نرى أنّ بعض أساتذة هذا الفن المعاصرين، عرّفوا البلاغة بشكل آخر، وقالوا: هي تأدية المعنى الجليل واضحاً بعبارة صحيحة فصيحة، مع ملائمة كلّ كلام للموطن الّذي يقال فيه، والأشخاص الذين يخاطبون[١].
فترى أنّه أُضيف في التعريف وراء ملائمة كلّ كلام للموطن (مطابقة الكلام لمقتضى الحال)، كون المعنى جليلاً.
نعم هذا المقدار من التعريف أيضاً غير واف للرقيّ بالكلام إلى حدّ الإعجاز، بل يحتاج إلى دعامة أُخرى وهي بداعة الأُسلوب ورقيّه.
[١] البلاغة الواضحة: ٨