رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣٠
على نفي المجاز في هذه الآيات ليتسنّى له إثبات هذه الصفات على الله سبحانه بنفس معانيها، فصارت العقيدة أساساً، لتفسير الذكر الحكيم، فهو مكان أن يعرض العقيدة عليه، فسّر القرآن وفق معتقده .
وأعجب من ذلك قوله ثانياً: «إن كلّ ما في القرآن حقائق وليس مجازاً». حيث زعم أنّ المراد من المجاز ضد الواقع الّذي يلازم الكذب، وغفل عن أنّ المقصود هو اتّخاذ اللفظ معبَراً وجسراً لتجاوز معنى إلى معنى آخر، والخروج من أمر واقعي إلى أمر واقعي آخر، ومن حقيقة إلى حقيقة أُخرى، وليس المعنى الثاني ضد الأوّل ولا هو معنى مكذوب، بل المتكلّم يتخذ اللفظ وسيلة للتعبير عن معنى آخر له كمال المناسبة مع المعنى الأوّل، وذلك بنصب قرينة واضحة .
ومنه يظهر الخلل في قوله ثالثاً: «لا يمكن أن يكون شيء منه غير حقيقة» وذلك لأنّ المعنى الثاني أيضاً حقيقة كالمعنى الأوّل، غير أنّه أفاد المقصود باللفظ الموضوع للمعنى الأوّل بمناسبة واضحة بين المعنيين، وعلى هذا فكلّ ما في القرآن أُمور واقعية، لكن ربّما يعبَّر عنها باللفظ الموضوع لها لغة، وربّما يعبَّر عنها بغير الموضوع له ويستعان في تفهيمه بالقرينة، وسيظهر لك تفصيل ما ذكرنا في البحوث الآتية .
وجه آخر:
ثم إنّه أضاف إلى الوجوه الثلاثة وجهاً آخر وقال: وأوضح دليل على منعه في القرآن، إجماع القائلين بالمجاز على أنّ كلّ مجاز يجوز نفيه ويكون نافيه صادقاً في نفس الأمر فنقول لمن قال: رأيت أسداً يرمي، ليس هو بأسد وإنّما هو رجل شجاع، فيلزم على القول بأنّ في القرآن مجازاً: أنّ في القرآن ما يجوز نفيه،