رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥٢
يلاحظ عليه بوجهين:
أوّلاً: أنّ الأصل العقلائي في كلّ متكلّم أنّه بصدد بيان ما يعتقده، فما لم يدلّ دليل قطعي على الخلاف يؤخذ بهذا الأصل، وعلى هذا تدور رحى المحاورة بين العقلاء، فكلّ يحمل كلام الآخر على أنّه يبيّن عقيدته ومعتقداته.
إنّ الإمام الصادق (عليه السلام)كان إماماً للمسلمين، إماماً في نقل الحديث والفقه والتفسير والأخلاق، وكان يجتمع تحت منبره مئات المسلمين بينهم من يوافق عقيدته في الإمامة ومن يخالفها، وكان الجميع يستضيئوون بضوء كلامه من دون أن يدور في خلد أحدهم بأنّ كلام الإمام مع المخالف كلام صوري غير نابع عن عقيدة راسخة.
وثانياً: أنّ للتقية مجالاً خاصّاً وهو الخوف على النفس والنفيس، فعند ذلك يجوز للمتكلّم أن يصون نفسه وعرضه وماله بإظهار الموافقة، كما سار عليه عمار بن ياسر حيث اتّقى ونزل في حقّه قوله سبحانه: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ )[١] .
وأمّا الإمام الصادق (عليه السلام)فلم يكن ـ في هذه المحادثة ـ عنده خوف لا على نفسه ولا على نفيسه، لأنّ القول بالتحريف تذهب إليه أُمّة من المخالفين حتّى قالوا بأنّه حُذف من سورة الأحزاب مائتا آية!!
وثالثاً: أنّ الإمام لم يكن، في جوابه، بصدد إقناع المعترض فقط، بل هو بصدد تفهيم بعض خواصّه ـ أعني: أبا بصير ـ حيث دخلت الشبهة في ذهنه أيضاً، فأجاب الإمام (عليه السلام)بجواب يُقنع به كلاًّ منهما، وهو أنّ القرآن الكريم مع
[١] النحل: ١٠٦ .