رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٤
النفس الأمّارة بالسوء.
أقول: إنّ تفسير النبوّة بالنبوغ، وإن صيغ في قالب علمي جديد، ليس نظرية جديدة بحدّ ذاتها فإن جذوره تمتد إلى عصر المشركين المعاصرين للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّهم كانوا يحسّون بحالة الانجذاب للقرآن وبلاغته الخلاّبة فينسبونه إلى الشعر ويصفون قائله بالشاعر، قال سبحانه حاكياً عنهم:(بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَة كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ).[١]
و يجيبهم القرآن بقوله: وَ مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَ مَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ).[٢]
إنّ هذه النظرية أُسّست على إنكار ما وراء الطبيعة حيث صار الوجود عندهم مساوقاً للمادّة فلم يجدوا منتدحاً عن تفسير الوحي بما جاء في هذه النظرية.
مع أنّا إذا سبرنا تاريخ المصلحين في العالم نجدهم على فئتين:
فئة تتكلّم باسم الدين الإلهي، وتخبر عن اللّه سبحانه وتنسب كلّ ما يأمر وينهى إلى عالم الغيب، ولايرى لنفسه شأناً سوى كونه مبلّغاً لرسالات اللّه ومؤدّياً لبلاغها وإنذارها.
و فئة تتكلم باسم المصلح الاجتماعي، وينسب كلّ ما يتفوّه به إلى بنات فكره وعقله. فلو صحّت تلك النظرية لما كان لهذا التقسيم مفهوم صحيح، وعندئذ يتساءل: لماذا نسبت الفئة الأُولى ما جاءُوا به من التعاليم إلى عالم الغيب
[١] الأنبياء:٥.
[٢] يس: ٦٩.