رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٦
فترة، وإنّما المسألة كانت بصورة أُخرى، وهي:
أنّه تعلّقت مشيئته سبحانه على نزول الوحي نجوماً أي فترة بعد فترة حسب المقتضيات والأسباب الموجبة لنزوله أوّلاً، وتثبيت فؤاد النبي بذلك ثانياً، قال سبحانه ـ مشيراً إلى مشيئته الحكيمة ـ :
(وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث وَ نَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً)[١] وقال سبحانه ـ مشيراً إلى أنّ من بواعث نزول الوحي تدريجياً كونه سبباً لتثبيت فؤاده ـ :(وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)[٢] فعلى ضوء ذلك لم يكن هناك إلاّ مسألة طبيعية على صعيد الوحي وهو نزوله تدريجياً لا دفعة واحدة، غير أنّ المشركين الجاهلين بمشيئته سبحانه وأسرار نزول الوحي تدريجياً، كانوا يترقّبون نزول الوحي عليه دوماً وفي كلّ يوم وساعة، أو نزول مجموع الشريعة دفعة واحدة، كما نزلت التوراة على موسى، قال سبحانه: (وَ كَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيء مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيء فَخُذْهَا بِقُوَّة وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ)(٢)، فلمّا شاهدوا خلاف ما كانوا يترقّبونه من مدّعي النبوة انصرفوا إلى اتّهام النبي بأنّه ودّعه ربه الذي ينزل إليه الوحي أو الشيطان الذي يلهمه على حدّ تعبيرهم.
فحصيلة البحث: أنّه لم يكن هناك انقطاع ولا فتور ولا سبب من الأسباب المذكورة في الروايات، بل كان مجرد توهّم توهّموه.
[١] الإسراء: ١٠٦.
[٢] الفرقان: ٣٢. ٢ . الأعراف: ١٤٥.