رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣٩
قال في أوّل هذه السورة (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ)[١] وهو بصورة الاستفهام الإنكاري، فأتى به أيضاً في أواخر السورة بتعبير آخر فقال: (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) والآيتان تشيران إلى معنى واحد، وهو أنّ الإنسان المشرك أو الملحد يستبعد المعاد وينكره بزعم أنّه محال، ونتيجة ذلك أنّه خلق سدى بلا غاية.
ثم إنّه سبحانه أشار في هذه الآيات إلى دليلين لطيفين على المعاد:
الأوّل: يبتني على كون المعاد نتيجة الحكمة الإلهية وهدف الخلقة.
الثاني: يبتني على بيان قدرته سبحانه ببيان أنّ من صيّر النطفة عبر مراحل إنساناً كاملاً فهو قادر على إحياء الموتى، وإليك البيانين:
الأوّل: إنّ اللّه تبارك وتعالى حكيم لايعبث، فلا ينفكّ فعله عن الغاية التي ترجع إلى المخلوق، وإلاّ يكون عابثاً تعالى عن ذلك.
و قد أشار سبحانه في غير واحدة من الآيات إلى أنّ مقتضى الحكمة ترتّب الغاية على فعله، قال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)(٢)، وقال تعالى: ( وَ مَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَ الأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ)(٣)، فإذا كان الحال كذلك فالإنسان الذي كرّمه اللّه سبحانه على سائر الخلائق أولى بأن لايكون مهملاً و أن تكون لخلقه غاية وهي الرجوع إلى اللّه يوم القيامة، فمن تصوّر أنّ الموت بطلان للشخصية الإنسانية وختام لوجودها فما عرف اللّه حق معرفته، إذ أنّه يصف عمله بالعبث، ولصيانة عمله عن اللغو لابدّ أن تكون بعد الحياة الدنيوية حياة
[١] القيامة:٣. ٢ . المؤمنون: ١١٥. ٣ . ص: ٢٧.